ذ- محمد الفرسيوي
العُرُوبَةُ أكبرُ، أوسعُ، وأشملُ… لأنها بكل بساطة تستوعبُ العِرْقَ، فهي مفتوحةٌ مُنفتحةٌ على كل الأعراق… تستوعبُ كل الدياناتِ، والمعتقد تحميهِ وتَحتضنُه… هي اللسانُ أوِ الشكلُ المتعددُ الغَنِي للتعبيرِ والإبداعِ والمعارف… هي أرضٌ وموطنٌ وتُربةٌ خِصْبَةٌ لتعايش الثقافات… تستوعبُ الأصلَ والفروع…هي تشكيلٌ مُلَونٌ ثَرِيٌ لكل الأحلامِ الجميلةِ، تستوعبُ المصيرَ المُشتركَ والمتشاركَ لشعوبٍ ومجموعاتٍ وحضاراتٍ عريقة، مُمتدةٍ مِنْ بلادِ ما بين النهريْنِ إلى أقْصَى المغربِ الكبير… وهي الحِضْنُ الدافئِ لهَواياتٍ شَتى، قديمةٍ مُتَجددةٍ ومُبدعة، لأنها الهويةُ الكبرى… أوِ البحرُ الذي تَصُب فيه كُل الأنهار، مِنَ المشرقِ حتى المغرب.
هكذا، غَردْتُ مرةً على وسائلِ التواصلِ الاجتماعي، تفاعلاً مع بعضِ “أمازيغِ المغرب” خُصوصاً، في زمنِ تفجيرِ “الهوية الكبرى الجامعة”، بروافِدِها الخلاقةِ؛ أعني هَوياتٍ وطنيةً مُتعايشةً، مُتفاعلةً وفاعلةً، منذُ زمنٍ مديد.
ومنذُ الأواخرِ الأخيرةِ مِنَ القرنِ الماضي، وبواسطةِ الإعلامِ والتمويلاتِ السخيةِ وبعضِ الكُتابِ والأحزابِ والجمعياتِ أوْ المنظماتِ الأهليةِ، أُطْلِقَ العنانُ لما أصبحَ معروفاً بتشغيلِ مُخَططِ “الثنائياتِ الفرعيةِ أو المُصطَنَعَة”، مِنْ أجلِ تَقْنِيعِ “الثنائياتِ الأصليةِ أوِ الحقيقية”، للبلدانِ والشعوبِ والأمم، بِتَزامُنٍ مع مُخططِ إِسقاطِ هذه البلدانِ والشعوبِ والمجتمعاتِ في فِخَاخِ إضعافِ نفسِها بِنفسِها.
لا خلافَ، ولا اختلافَ أبداً، في حالتنا، على مَبْدَإِ وحق ألْسِنَةٍ وثقافاتٍ كالأمازيغياتِ أوِ الحسانيةِ أوِ الدوارجِ وِاللهجاتِ المحليةِ مثلاً، في أنْ تَبْقى، في أنْ تَجِدَ لها في الثقافةِ والإبداعِ واللغاتِ الوطنيةِ والسياساتِ العموميةِ المجالَ الخصبِ في التعبيرِ والتطوير والحياةِ، وفي الاهتمامِ العام والتعزيزِ والتثمينِ المُتواصلين… إنها الروافدُ التي تُغْني، تُثْرِي وتُخصب، ولا تُضِعِفُ أبداً أْوْ تُصبحُ قاتلةً إلا بفعلِ فاعلٍ مَشْبُوهٍ، مَعْتُوهٍ أو انتهازي…
أما لغةُ / لُغاتُ التعليمِ والمعرفةِ والتكنولوجياتِ، فأمرٌ آخر… حيثُ هُنا يُطرحُ السؤالُ البديهي الأولُ، الأصلُ والمَفصلُ؛ أي تعليمٍ نُريدُ؟ ومِنْ أجلِ ماذا؟ قَبْلَ سُؤاليْ؛ بماذا؟ وكيف؟
في المغربِ مثلاً، لا وجودَ للطوائفِ كما الشرقِ العربي، بَبْدَ أن بِهِ وفيهِ هوياتٍ ثقافيةً ولغاتٍ أصليةً عريقةً تُثْرِي التعددَ الثقافي واللسْنِي للبلدِ ومعه هويتَهُ الثقافية الوطنية والقومية، منذُ ما قبلَ وُفودِ الإسلامِ والعروبةِ الجامعة، إبانَهُمَا وبعدهما. وقد ظل الإشكالُ مطروحاً في سياقِ الاستحقاقِ المفتوحِ على إنجازِ مهامِ بناءِ وتشييدِ الدولةِ الوطنيةِ الديمقراطيةِ المستقلة.
وهكذا، تَبَلْوَرَتْ-ولا تزالُ-ثُنائياتُنا الأصليةُ، الموثوقةُ، والتي يُمكنُ حِسابُها علمياً وبالأرقام، وهي بالترتيبِ اللازمِ؛ في توزيعِ الثروة، أقليةٌ مُستأثِرةٌ مقابل أغلبيةٍ مُفقرة… في توزيعِ السلطةِ والسلطِ، حكامٌ مُحصنون مقابلَ محكومين مُستضعفين… في توزيعِ المجالِ، “مغربُ نافع” مقابلَ “مغربٍ غير نافعٍ”، وبداخلِ المدنِ والتجمعاتِ الحضريةِ، المركزُ مقابل الهوامش… وفي توزيعِ المعرفةِ، تعليم الأغنياءِ مقابل تعليمِ الفقراء.
إنها الثنائياتُ المبثوثةُ استعمارياً، والمعززةُ باختياراتِ ما بعد الاستقلال السياسي للمغرب… وهي تتَمَظْهَرُ في شَكْلِ فوارق اجتماعيةٍ، مجاليةٍ وثقافية، وتشكلُ مرتعاً للبؤسِ والشعورِ بالغبنِ، والتربةَ الخصبةَ لتفريخِ الجهلِ والنقمةِ وكل أشكالِ التطرفِ والتكفير، الحاصلةِ، المُتوقعةِ وغيرِ المتوقعة.
أما الباقي، أعني ما يَرتبطُ بالثنائياتِ الفرعيةِ، في اللسانِ/ اللغات والجنسِ/ النوعِ الاجتماعي… وفي تعاقبِ وانْسيابِ الأجيالِ، وأيضاً فيما أصبح متداولاً بالمحافظين مقابل الحداثيين… أما هذا وغيره، فلعلها ثُنائياتٌ ثقافيةٌ، مقارباتُها ثقافيةٌ وفي السياقِ الثقافي تحديداً، والموصولةِ حَتْماً بمُعالجةِ وحسمِ الثنائياتِ الأصليةِ، الموثوقةِ والمؤكدةِ حسابياً وعلمياً، في الثروة والسلطةِ والمجالِ والمعرفة… أعني مواصلةَ جدلية التحريرِ والتحررِ، وتشييدَ الدولةِ الوطنية الديمقراطية المستقلة، من أجلِ مغربٍ بكل المغاربةِ، لكل المغاربةِ، أجيالاً حاليةً ومقبلة.
إن استبدالَ الثنائياتِ الأساسِ، بالثنائياتِ الثانويةِ، كاستبدالِ الأصولِ بالفروعِ وأسبابِ الداءِ بأعراضِه… فحذارِ مِنَ التضليلِ، و”إن التضليل لأشد أنواعِ القمعِ” والتهافتِ والاستغلال…