الفلسفةُ ليستْ سلاحاً نُحارِبُهُ متى نَشَاء…؟ ونُحَارِبُ به متى نَشَاء…؟
ذ-محمد الفرسيوي
لا يحتاجُ المرءُ، وهو يَتَوجهُ للمستقبلِ ولِلإسهامِ في بَلْوَرَةِ البَديلِ الموثوقِ والواعِدِ، إلى “الحَك على الدبْرَة”، وخصوصاً عندما يتعلقُ الأمرُ بمسألةٍ غايةٍ في الحَيَويةِ والمصيريةِ والعِزة، من قبيلِ مسألةِ التعليمِ والعلمِ والمعرفةِ السالكةِ للبقاءِ في العصرِ، الفعلِ فيهِ والتفاعلِ معه، نحو استعادةِ “التحكمِ في زمامِ الأمورِ”، واسترجاعِ “المبادرةِ والإشعاع”.
هُنَا، وعلى ضوءِ تصريحاتِ السيدِ عمر عزيمان الأخيرةِ (رئيس المجلس الأعلى للتعليم حالياً)،والقاضيةِ بتمكينِ الفلسفةِ من حضورٍ وحيزٍ أوسع في المقرراتِ الدراسيةِ مستقبلاً، سأَسْتَعِيرُ “عِبارَاتٍ مُفيدةً” مِنْ مقالةٍ مُمَيزةٍ للأستاذةِ والإعلاميةِ المقتدرةِ زكية حادوش، نُشرتْ افتتاحيةً للملحقِ الثقافي لجريدةِ العلم أواخرَ تسعينياتِ القرنِ الماضي، في سياقِ التفاعلِ مع النقاشِ الذي فُتِحَ آنذاكَ(وخصوصاً مع الأستاذِ القديرِ محمد سبيلا)، حول إدخالِ مادةِ الفلسفةِ مقرراتِ ما أصبحَ معروفاً بالجذعِ المشتركِ التأهيلي (الأولى ثانوي سابقاً)… وهي “العباراتُ المفيدةُ”، مِنْ قبل كما مِنْ بعد؛ ” الفلسفةُ ليستْ سلاحاً نُحَارِبُهُ متى نَشَاء، ونُحَارِبُ به متى نَشَاء… الفلسفةُ هي الفلسفةُ أبداً، وكفى”…؟
والآنَ، وفي أُفُقِ بَدِيلٍ تعليمي تَعَلمِي معرفي مَوْثُوقِ في صحتِهِ وجَدْوَاه، يُبقي المغرب في عصرِهِ ويُؤَهلُ المغاربةَ لِلفعلِ والتفاعلِ مع الزمنِ الذي بعده… في هذا الأفُقِ المنشودِ، نُعيدُ تَثْمِينَ ذَاتِ “العِباراتِ المُفيدةِ” مَعَ التسْطِيرِ تَحْتَهَا بِكُل الألوان؛ “الفلسفةُ ليستْ سِلاحاً نُحَارِبُهُ، وليستْ سِلاحاً نُحاربُ به”.
الفلسفةُ هي الفلسفةُ، هي أم العلومِ منذُ الإغريقِ الأوائل -ولربما مِنْ قبل -ولمْ تُفصلْ العلومُ عنها، بما فيها العلومُ الإنسانيةُ والعلومُ الحَق مِنْ رياضياتٍ وغيرها، إلا مع صُعودِ الرأسماليةِ، بذريعةِ الحاجةِ للتخصصِ، والحالُ أن الحاصِلَ هو عَزْلُ العلمِ والمعرفةِ والتكنولوجياتِ عِنْ يَنابِيعِها ومَنابِعِها الأصليةِ والأصِيلةِ التي تَمُدها بِعُمْقِ القيمِ الإنسانيةِ الأنْبَلِ، وِنُبْلِ الرؤيةِ الإنسانيةِ الأعْمَقِ للحياةِ والكينونةِ والوجود؛ حياةُ كل الكائناتِ والأحياءِ والآخرين من البشر، أجيالٌ متلاحقةٌ، متواصلةٌ ومستمرة…
وهكذا، تَم خَلْقُ عُلماء وخُبراء ومُخْتَرِعِينَ تكنقراط، في تَخَصصَاتٍ أصْغرَ ومُصَغرةٍ، معزولةٍ عَنِ النسقِ والكُل المُخْتَرَعِ، إلى الدرجةِ التي لا يَعرفُ العالمُ / الباحثُ / المُخْترعُ، فيها ومعها، ماذا يخْتَرع ُ؟ مِنْ أجلِ ماذا؟ وفي أي مجالٍ قَدْ يُستعملُ فيه اختراعاتُهُ أو أبحاثُه؟
في الحالةِ المغربيةِ، ومنذُ استقلالِنا السياسي حتى الآن، حُورِبَتِ الفلسفةُ حَوَاليْ أربعةِ عقودٍ مِنَ الزمن، واعْتُبِرَتْ سِلاحاً بيدِ العقولِ الثائرةِ أو المتمردةِ على الأوضاعِ القائمة، ومَصْدَراً للخروجِ عَنِ “الملةِ والدين”، وقدْ كُرسَتِ ذِي الفكرةُ تَكْريساً في أذْهانِ عامةِ الناس، فَحُوصِرَ التفكيرُ الفلسفي العقلاني وأهلُهُ، بشتى الأشكالِ وبما سُمي سلاحَ الدراساتِ الإسلاميةِ آنذاكَ في الجامعات… وحُورِبَتْ في العقدينِ الأخيرينِ حتى الآن، حِينَ أُرِيدَ لها أنْ تكونَ سِلاحاً يُحَارَبُ بِهِ في “ملاعبِ الإسلاميين”، في سياقِ ضَرْبِ هذا بِذاك…؟
فهل حان الوقتُ، اليومَ في أفُقِ المستقبلِ، لِنُقْلِعَ عَنْ ذِي المقاربةِ القاتلة…؟ ولأن نستعيدَ النظرَ في السياسةِ التعليميةِ بِرُمتِها، في المِنْهاجِ والمُقَررَاتِ وترشيدِ زمنِ التحصيلِ والتكوينِ والتأهيلِ في الأقسامِ وخارجها…؟ في الاكتظاظِ وغيره…؟
لا اختيارَ ولا خيارَ أمامنا غَيْرَ طريقِ المراجعةِ الشاملةِ، العميقةِ المُوَثقَةِ والمَوْثُوقَةِ لِمَتْنِنَا التعليمي كُلهِ، تربيةً وتنشئةً وتأهيلاً، إنْ نحنُ أَرْدْنَا البقاءَ في العصرِ ومواصلتَهُ في المستقبل… وهَاهُنَا دَوْرُ الفلسفةِ ووظيفَتُها الحيَوِيتيْنِ في تنشيطِ الأذهانِ والخيالِ، عقلانيةً ونقداً، إبداعاً واكتشافاً، سؤالاً وبحثاً…
ولا ينبغي هنا أبداً، النظر إلى الفلسفةِ كمجردِ مادةٍ من موادٍ أخرى، معزولةٍ ومُكْتَفِيةٍ بذاتِها لذاتها. إن “الفلسفةَ هي الفلسفةُ”، ومِنْ ثَمةَ هي أُم المعارفِ والعلومِ الحَق والإنسانيةِ معاً، وهي البوصلةُ التي ينبغي أن تُوجهَ الكل في تَناغمٍ خلاقٍ مُبدعٍ، وذلك في سياقِ ومسارِ تحصيلِ المهاراتِ والمعارفِ والتكنولوجياتِ، وبلورةِ الشخصيةِ المبتكرةِ وإقرارِ استراتيجيةِ ” معرفةِ الإنتاج”، بدل “معرفةِ الاستهلاك”.
ولا شك، أن مادة التربيةِ الإسلاميةِ في الثانوي التأهيلي على الأقل، يَصِح تحويلها إلى مادةٍ لتدريسِ تياراتِ الفكرِ الإسلامي والروحي عموماً، كمدخلٍ لِتَهْيِئ الناشئةِ أوْ جُزْءٍ منها على الأقل لِعِلْمِ الأديانِ المُقارن في الدراساتِ العليا.
لذلك، فإن “أعَز ما يُطْلَبُ”، اليومَ وغداً، إعادةُ تشييدِ أنظمتِنا ومنظومتِنا التربويةِ والتعليميةِ والمعرفيةِ برمتهما، بإرادةٍ وقرارٍ مغربيين، بأذهانٍ وقلوبٍ وخِبْرَاتٍ مغربيةٍ، برؤيةٍ علميةٍ واقعيةٍ واضحةٍ للمستقبلِ، بتعزيزِ “نقط القوةِ” الماثلةِ واستلهامِ الدروسِ والعبَرِ مِنْ “نقطِ الضعف” القائمةِ، وذلك بإصرارٍ وطني سديدٍ وتَواقٍ إلى رفعِ التحدياتِ ومراكمةِ النجَاحَاتِ، مِنْ أجلِ مغربٍ ناهضٍ باستمرارٍ، نحو “تَمَلكِ زِمَامِ الأمورِ” على كل مجالِنا وفي محيطِه، و” استعادةِ المبادرةِ والإشعاع” جهوياً وكونياً، وذلك قبل مُنتصفِ هذا القرنِ المثير، إنْ شاء اللهُ… وإنْ شِئْنَا.؟
فهل أقولُ؛ وداعاً “وْلِيدَاتْ فْرَنْسَا” والاملاءاتِ الأجنبيةِ مِنْ بين مفاصلِ تعليمنا والقرارِ كله فينا…؟
ربي، أنت السميعُ المُجيبُ المُعين… والله أعلم.
الرباط في 30 يناير 2017