*محمد الفرسيوي
البارحة، عَادَنِي دَيْدَنِـي، يَا نَسْمَةً، تَتْرُكِينَنِي زَمَناً، جَسَداً يَلْتَهِبُ، والحَيْرَةُ فِي رَأْسي…
لَمْ تُوَدعِينِي ذَاكَ الصبَاح… لَمْ تُقَبلِينِي، وَلَمْ تُوقِظِينِي… هَدْهَدْتِ رَأْسِي وَشَعْرِي، دَغَدَغَتِ نَهْرَ العِشْقِ الثائِرِ تَحْتَ جِلْدِي، وَرَفْرَفْتِ فَوْقَ دُرُوبِ الدنْيَـا، كَالحَيَـاةِ، كالعُنْفُوانِ وَكَعُصْفُورَةٍ مِنْ رِيشِ أَشْعَارِ الحُرية…
أَعْرِفُ مَتَى تَرْجِعِينَ… أَعْرِفُ أنكِ أَقْرَبُ مِني إلَى نَفْسِي… وَأَنكِ فِي دَمِي وَطَرِيقِي، وَفِي كُل أَحْلَامِنَا المُقْبِلَة… أَعْرِفُ، وقدْ لَا أَعْرِفُ أَحياناً فقط… لَكِننِي انْتَظَرْتُكِ قَبْلَ الأوَانِ… وَالآنَ أَنْتَظِرُكِ، فِي عِز الأَوَانِ، عَلَى أَحَر مِنْ جَمْرِ كُل أَوْجَاعِ وحُرُوبِ شَرْقِ الدنْيَـا… أَنتظرُ رَقْصَةَ الياسمينِ في أولِ الندى، في أَولِ الفَجْرِ، وفي زَغَاريدِ الأُمهاتِ الصابِراتِ الرائعات.
وتَصْرُخينَ مِلْءَ الروحِ والأَوطانِ المُسْتَباحةِ، مَا هَذَا الوَجَعُ…؟ الذِي يَجْتَاحُ شَرْقَ الأَرْضِ، وَيُوَزعُ دَمـاً وَجُثَثـاً وَمَنَافِي، عَلَى بِلادَ الأنْبِياءِ وَالشعَرَاءِ وَالبُسَطَاءِ والمُعْجِزَاتِ وَاليَاسَمِينِ والأُغنياتِ العريقة…؟ فَلِمَا كُل هَذَا الوَجَعِ…؟
ألَا زِلْتِ يَا نَسْمَتنا، تَحْسِبِينَ نُجُومَ السمَاءِ فَوْقَ الفُرَاتِ وَحَيْفَـا وَحَلَبَ وكُل الشامِ…فَجْرَنَـا المُقْبِلَ الجَمِيل.
ألَمْ تَقُولِي؛ مِنْ كُل ذَا الوَجَعِ… بَلْ مِنْ مَفَاصِلِ هذا الشرْقِ الأَوْجَعِ، يَطْلُعُ الوَلِيـــدُ غِريداً كعَنْقاءِ كُل الدنيا، فَتَتَقَفى بِلادُ الشامِ كُل حُروفِ العٌرُوبَةِ الناهِضَةِ، نَحْوَ العِزةِ والإشْعاعِ والحُرية …؟
صَدقْتُكِ، وصَدقْنَاكِ يَا نَسْمَتِي، ويَا نَسْمَتَنَا البَهِيـــة، فَاظْهرِي قَبْلَ الأَوَانِ، بَلْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ…
نَحْنُ، هُنَـا وَ الآن، كَالجَسَدِ السكْرَانِ جِراحاً وكبرياءً وأملا، مِنَ البَحْرِ لِلْبَحْرِ… جَسَدٌ مُكابرٌ وأَبِي، مَرنَتْهُ الصبُورَاتُ والصباحاتُ والصلواتُ عَلَى انْتِظَارِ ذَا الـوَلِيدِ الآتِي بَهِياً حَتْماً، عَلَى الانْتِشَارِ فِي أَرْضِ الله الواسعةِ، مَنْفِيينَ ومُهَجرينَ ومُسافِرِين، سُلَالَةً تَقْطَعُ المَسَافَاتِ، تَحْمِلُ لكُل الدنيا طَاقَتَنَا الخَلاقَةِ في العطاءِ والطيبةِ والحُب…وتَهْدِي بعض الْغَرْبِ الضائِع فِي مَرْكَزِتِهِ القَاتِلَةِ مِرْآتَهُ الفَاضِحَة مِنَ عَوَاصِمِ الشرْقِ الأَبِي، دَلِيلَ خُسُوفِ غَرْبِ الأَنْوَارِ، ودَعْوَةً للمُراجَعَةِ وطَرْدِ “أصحابِ المالِ” مِنَ السياسةِ والعِلْمِ والقَرارِ وتَفْريخِ القَتْلِ والكراهيةِ والحروب…؟
وَهَا قَدْ جِئْنَـا مِنَ قَلْبِ الوَجَعِ المُعَتقِ المُعَاصِر أمَلاً، لَا غُزَاةً أَوْ عُرَاةً أَوْ مُتَسَولين، وَلَا مُخَيرِينَ أوْ خَائِفِين أَوْ حَاقِدِين… جِئْنَـا نُدَاوِي العُقْمَ المُنَظمَ فِي نَسْلِ الغَرْبِ، نَضُخهُ طَاقَةَ الروحِ وَبَهَرَاتِ مَحَبةَ الشرْقِ الأَصِيلِ… جِئْنَـا، وَهَذَا لِلتارِيخِ وَلِلْجَغْرَافْيَـا وَالذاكِرَةِ، نُعِيدُ دِفْءَ الحياةِ لهذا الغَرْبِ البَارِدِ…
ونُذَكرُ، بَلْ نُحَذرُ، مِنَ “الهُولُوكُوسْتِ” العَرَبِي؟
فَإلَى اللقَـــاء… يَا نَسْمَتَنَـــا الأَكِيــــــــــــــــــــدَةَ.
*كاتب وشاعر من المغرب
الرباط في فاتح شباط/ فبراير 2017