زكية حادوش
انطلقت يوم الخميس 9 فبراير 2017 الدورة السابعة والستون لمهرجان برلين الدولي للسينما المعروف ببيرليناري (Berlinale). للعِلم، فهذا المهرجان الذي ينعقد كل سنة بالعاصمة الألمانية هو أكبر موعد سينمائي في القارة العجوز. وهذا العام، كالعادة، سيعرض 24 إنتاجا سينمائيا دوليا بما فيها 22 عرضا أولا و18 من الأفلام المتنافسة على الجائزة الرسمية، أي الدب الذهبي الذي سيتوج الأفلام الفائزة يوم 18 فبراير الجاري.
هذا الحدث، رغم أهميته في الأجندة الثقافية الدولية، ليس استثنائيا لأنه ينعقد منذ 67 عاما بصفة عادية، لكن ما يجعل هذه الدورة مختلفة نوعا ما عن الدورات السابقة هو انعقادها في ظروف أمنية يمكن وصفها بالاستثنائية في العاصمة الألمانية برلين. إذ أن هذا المهرجان هو أول لقاء ثقافي دولي يجري في المدينة منذ هجوم 19 دجنبر 2016 على سوق رأس السنة باستعمال شاحنة لدهس المتسوقين، على نمط عملية نيس الفرنسية.
هذا الهجوم الذي خلف عدة ضحايا (12 حالة وفاة و56 من الجرحى)، والذي تبنته في اليوم الموالي داعش، خلف كذلك انتقادات جمة للنظام الأمني الألماني والإجراءات المضادة للإرهاب المتخذة وكذا سياسة الهجرة المعتمدة في هذا البلد. وكانت أغلبية الانتقادات صادرة بالخصوص من الداخل ومن بعض الجيران الأوروبيين.
قلت إن خبر انعقاد مهرجان برلين السينمائي في وقته ليس استثنائيا في حد ذاته، لأنه خبر ستتداوله بالتأكيد جميع وسائل الإعلام الورقية والالكترونية والمرئية والمسموعة منذ الافتتاح إلى الاختتام، وعلى نطاق دولي واسع مثلما جرت العادة كل سنة. غير أن ما هو مثير هو تغطية ردود فعل وتعليقات المواطن البرليني العادي، وجس نبض المجتمع المحلي وشعوره تجاه سياسة بلاده في مجالي الأمن والهجرة، إضافة إلى مواقفه من واضعي تلك السياسة.
إحدى القنوات التلفزة الإخبارية الأوروبية كانت السباقة إلى استجواب المواطنين واستجلاء رأي الشارع على هامش مهرجان برلين. وكانت تلك الشهادات المستقاة في الغالب من الشباب الذين سيحضرون عروض المهرجان استثنائية بهدوئها وتعبيرها عن الحب… حب المدينة وحب الفن السابع. لا وجود لذرة نزعة انتقامية فيها، ولا للحركات والعبارات التي صارت معروفة بالترامبية نسبة إلى النهج الذي ابتدعه الرئيس الأمريكي في مخاطبة الناس، ولا أية نبرة خوف من هجمات محتملة أو من ثغرات أمنية.
ما أعجبني في تلك الشهادات هو الثقة. كان أولئك المواطنون الألمان يتحدثون بثقة تشعرك بأن لديهم قناعات وآراء شخصية لا تتزعزع ولديهم مشاعر حماس وشغف لا يخجلون من التعبير عنها بكل هدوء. وأكثر ما أعجبني تصريح شابة تبدو في الثلاثينات، قالت بالحرف ما ترجمته: ” أنا هنا لحضور هذا المهرجان ككل سنة لأني أعشق السينما. لست خائفة لأن ما يحدث مقدَّر ومكتوب سلفا ولا يمكن منعه بأي شكل من الأشكال. وإن كان مقدراَّ لي أن أموت في هجمة إرهابية، فليكنْ، لكني أفضل أن أموت وأنا أفعل ما أحب “.
عاشت القَدَريَّة على الطريقة الألمانية! صدقت تلك الشابة، وبتعبيرنا المغربي القح “المكتوب ما منه هروب”. يكفي فقط أن نؤمن بذلك، ونتحدث ونتصرف وفق ذلك. وهنا يكمن الفرق بيننا وبين الألمان!