فهمي هويدي
زيارة ترامب للمنطقة ستصبح «تاريخية» حقا، لأنها ستكون أكبر مقلب شربناه
(١)
يوم الخميس الماضي ١١/٥ توجه وفد ضم بعض أعضاء الفريق الأمني للرئيس دونالد ترامب إلى مقر الكونجرس في مهمة تتعلق بترتيب أول زيارة خارجية للرئيس الأمريكي. كان على رأس الوفد الجنرال هربرت ماكماستر مستشار الأمن القومى، ومن بين أعضائه زوج ابنة الرئيس ومستشاره جاريد كوشنر. اجتمع الفريق مع رؤساء لجان الخارجية والخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ، كما التقوا مع ممثلين لمجلس النواب، واستعرضوا في تلك الاجتماعات جدول الزيارة والمحادثات الأمنية والإستراتيجية التي سيجريها الرئيس الأمريكي في الرياض. وكانت تلك الخطوة ضرورية قبل الزيارة، ليس فقط لإطلاع النواب المنتخبين على الخطوات التي تتخذها الإدارة بخصوص السياسة الخارجية، ولكن أيضا لأن الرئيس يعتزم التوقيع على صفقة سلاح كبرى للمملكة يفترض أن تشمل تزويدها بأسلحة متقدمة، من بينها نظام «ثاد» الصاروخي، الذي يتصدى للصواريخ البالستية، وطبقا للقانون فإن أي صفقة سلاح توافق الإدارة على بيعها يجب أن يبلغ بها الكونجرس مسبقا فضلا عن الوزارات المعنية بطبيعة الحال.
قبل زيارة الفريق الأمني للكونجرس، عقد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مؤتمرا صحفيا فى مقر السفارة السعودية بواشنطن، تحدث فيه عن الزيارة «التاريخية» التي يعتزم الرئيس ترامب القيام بها للمملكة في مستهل جولته التي تبدأ يوم الجمعة ١٩/٥. ومما قاله إنها ستشهد ثلاث قمم، واحدة ثنائية مع الملك سلمان والثانية خليجية مع قادة مجلس التعاون الخليجي الذين سيدعون إلى الرياض للمشاركة فى الاجتماع نصف السنوي لمجلس التعاون الخليجي. القمة الثالثة ستكون مع قادة بعض الدول العربية والإسلامية المشاركة فيما سمى التحالف العسكري الإسلامي لمكافحة الإرهاب الذى دعت السعودية إلى تشكيله في أعقاب الانقلاب فى اليمن والتدخل العسكري الذي قامت به لمساندة وإعادة نظامها الشرعي.
(٢)
غاية ما تعرفه من الإعلام ما قيل عن أن الزيارة «تاريخية» وأن لها صلة ما بصفقة «القرن» التي أطلق عنوانها في واشنطن قبل أسابيع، وهلل له البعض وتخوف منها آخرون، وكنت ضمن الآخرين. بالتالي ففي حين أحيط الكونجرس الأمريكي علما بالموضوع فإن متابعتنا للزيارة ومقاصدها ظلت معتمدة على ما تنشره وسائل الإعلام الغربية، وعلى ما يشيع في مجتمعاتنا من تكهنات واستنتاجات. صحيح أننا وقفنا على ما أعلن بخصوص محطات الرحلة، لكن مقاصدها وخلفياتها تركت لتخميناتنا وتحليلات المعنيين بالأمر منا. إذ عرفنا مثلا أن الرئيس الأمريكي قصد زيارات بلدان الديانات الثلاث، فاختار السعودية رمزا للعالم الإسلامي، وإسرائيل ممثلة لليهود والفاتيكان باعتبارها رمزا للعالم المسيحي. ثم بعد ذلك سيعرج على بروكسل وصقلية حيث يحضر في الأولى اجتماعات حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ويحضر فى الثانية اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع.
المحللون الغربيون أجابوا على السؤال لماذا صمم البرنامج على ذلك النحو قائلين إن واضعيه أرادوا تحقيق عدة أهداف. أحدها الإعلان ضمنا عن أن ثمة نقلة جديدة في السياسة الأمريكية تثبت حضورها في الشرق الأوسط وزعامتها للعالم. قالوا أيضا إن الرئيس ترامب أراد أن يحسن صورته خارج الولايات المتحدة، لكي يطوى صفحة الصورة السلبية له التي ظهرت إبان حملته الانتخابية، خصوصا أنه لا يزال يقابل باستياء واستهجان ملحوظين داخل الولايات المتحدة ذاتها، أضاف هؤلاء أن فريق الرئيس الأمريكي أدرك أن تحقيق انجازات في الخارج، خصوصا في منطقة رخوة كالشرق الأوسط، أيسر بكثير منها فى الداخل الأمريكي، حيث لا تزال بعض مؤسساته الكبرى ــ القضاء والإعلام والمثقفون مثلا ــ تناصبه العداء، في حين أن أغلب النظم العربية تحتفي به ولا تخفى إعجابها بسياساته.
استوقفني في هذه النقطة ما نشر عن المقارنة بين زيارة الرئيس السابق باراك أوباما للمنطقة في بداية عهده (عام ٢٠٠٩) والزيارة المرتقبة للرئيس الحالي دونالد ترامب. فالأول حين أراد أن يخاطب العالم العربى والإسلامى اعتمد معيارا موضوعيا ولم تكن لديه تحيزاته المسبقة باستثناء الدعم التقليدي لإسرائيل. لذلك فإنه اختار القاهرة وتركيا ولم يدرج إسرائيل فى برنامجه، كما أنه لم يكن بحاجة إلى تحسين صورته في المنطقة. أما الثاني فلديه مواقف معلنة بخصوص انحيازه لليمين الإسرائيلي وعدائه لإيران. لذلك فإنه استهدف عقد صفقة لصالح ذلك الهدف المزدوج، بما يحقق له مراده ويرفع من أسهمه. وهو ما يعنى أن زيارة أوباما كانت بريئة في خدمة المصالح الأمريكية. أما زيارة ترامب فعنصر البراءة غائب فيها والانتهازية سمة أساسية لها. وأوباما حين جاء إلى القاهرة فإنه اكتفى برمزيتها ولم يطلب منها شيئا، أما ترامب حين اختار السعودية فقد كانت عينه على صفقة السلاح الكبرى، وكونها بلد المبادرة العربية التي يريد توظيفها لدفع التطبيع مع إسرائيل، وفى الوقت نفسه الإفادة من رمزيتها في إقامة الاحتشاد السني في مواجهة إيران الشيعية.
(٣)
يوم الأحد الماضي (١٤/٥) عقد اجتماع تنسيقي في العاصمة الأردنية عمان قبل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي، اشترك فيه وزيرا خارجيتي مصر والأردن سامح شكرى وأيمن الصفدى وأمين سر التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات، ونقلت وسائل الإعلام العربية عن المجتمعين قولهم «إن هناك آفاقا حقيقية لإحياء محادثات السلام وفقا لمبادرة السلام العربية والدفع قدما نحو تحقيق التسوية بما يؤدى إلى تجاوز الانسداد الذي أصاب عملية السلام. كما نشر العنوان التالي فوق خبر الاجتماع التنسيق المصري الأردني الفلسطيني «الرئيس الأمريكي خلق قوة دفع ايجابية للقضية».
في نفس يوم الأحد نشرت صحيفة «هاآرتس» مقالة لمعلق الشئون العربية بالصحيفة جاكى حوكى سخر فيها من الرهانات التي تعقدها السلطة الفلسطينية والمسئولون العرب على دور الرئيس ترامب في تسوية الصراع وقال إنه يشك في أن تكون الإدارة الأمريكية مؤمنة بذلك، ووصف «ضجيج ترامب الإعلامي بخصوص تعهده بحل الصراع» بأنه من مقتضيات الأمن القومي الأمريكي سيَما الحاجة إلى دور للسلطة في الحرب على الإرهاب (الذي يقصد به قمع المقاومة الفلسطينية)، وقال صراحة إن إعلان إدارة ترامب عن الالتزام بتحقيق تسوية سياسية للصراع، يراد به في حقيقة الأمر «توفير البيئة التى تسمح للسلطة بالاندماج في التحالف الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب، الذي يضم إلى جانب إسرائيل كلا من مصر والأردن وعددا من دول الخليج.
دلل الكاتب الإسرائيلي على صحة كلامه مستشهدا بأن أول مسئول أمريكي زار رام الله كان رئيس المخابرات الأمريكية الذي جاءها للتباحث حول دور السلطة في الحرب على الإرهاب، كما أن مدير المخابرات الفلسطينية توجه إلى واشنطن مباشرة بعد انتخاب ترامب للتوافق على الدور الذي تلعبه السلطة في الحرب المذكورة.
أعاد صاحبنا إلى الأذهان حقيقة أن إدارة ترامب حين غازلت السلطة الفلسطينية فإن ذلك لم يكن يعبر عن توجه حقيقي لفرض تسوية سياسية مع إسرائيل، لأن الإدارة الأمريكية لا يمكن أن تساوى بين الطرفين، لسبب جوهري هو أنها تعتبر إسرائيل الشريك الاستراتيجي الأهم للولايات المتحدة فى المنطقة مضيفا أن ترامب لم يبلور مسارا واضحا لحل الصراع المعقد، وأن القادة الفلسطينيين بالغوا في الرهان على تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي هربرت ماكماستر الذي أعلن أن ترامب سيعلن خلال زيارته تأييده لتطلع الفلسطينيين إلى تقرير المصير.
(٤)
لن نبالغ إذا قلنا إذن إن ترامب سيبيع لنا «الترام» أثناء زيارته الميمونة. ذلك أن العرب لن يخرجوا منها بشيء يذكر، بل سيكونون الخاسر الأكبر من ورائها. أما إسرائيل فهي الفائز الأكبر والأوحد. إذ إن العرب سيدفعون دفعا إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، دون أي مقابل يذكر، وقد تسفر الزيارة عن استئناف المفاوضات بين أبومازن ونتنياهو. ولكن التنازل الوحيد الذي يقدمه الأخير أنه قبل بمجرد الجلوس على طاولة واحدة مع الرئيس الفلسطيني، دون أن يجد سببا واحدا يضطره لأن يقدم له شيئا، وفى هذه الحالة سيكون العرب والمسلمون الحاضرون شهود زور ومجرد «كومبارس» يظهرون فى خلف المشهد العبثي.
من ناحية أخرى فإن الحلف الذي يراد إقامته للتصدي لإيران والذي ستشارك فيه إسرائيل بدعوى مكافحة الإرهاب، لن يصبح غطاء آخر للتطبيع فحسب، ولكنه سيكون بمثابة تقنين وتأييد للصراع بين السنة والشيعة، الذي يدخلنا في آتون فتنة تشغل كل طرف بالآخر وتستهلك موارده وطاقاته، كما أنها ستلهيه عن التوحش والتغول الإسرائيلي، بحيث يصبح نتنياهو وحده شرطي المنطقة وراعيها.
إذا سألتني عن مصر في ذلك الخضم، فردي أنها باتت خارج المعادلة، ذلك أنها إما غائبة أو مغيبة، وإذا صح ذلك فلا تسألني بعد عن العالم العربي!
عن “الشروق” المصري