Take a fresh look at your lifestyle.

هجرة الأدمغة.. بين أخلاقيات الدول المستقبلة وسياسات الدول المصدرة

0

عبدالله جبار*

ليس من السهل تناول موضوع مرتبط بالهجرة الذي تتداخل فيه عوامل مركبة إن لم نقل معقدة تحدد بشكل أو بآخر معالم ظاهرة تزداد صعوبة وتؤرق كل دول العالم المصدرة لها أو المستقبلة.

وإذا كان الاتفاق حاصلا على اعتبار المسألة تاريخية كونية ولو بدرجات متفاوتة زمانا ومكانا، فمن الطبيعي أن تترك آثارها سلبا وإيجابا حسب نوعية وطبيعة الموضوعات  المرتبطة بها ومن أهمها هجرة الأدمغة .

هجرة الأدمغة.. أسبابها وانعكاساتها                                        

لاشك أن ظاهرة هجرة الكفاءات أصبحت اليوم من أكثر المواضيع حساسية وجذبا للنقاش نتيجة مخلفاتها على التنمية وأثرها البالغ في رسم معالم حضارة البلدان .

وإذا كان المفهوم قد برز إلى السطح في بداية ستينيات القرن الماضي حيث استعمل أول مرة من طرف وزير التعليم البريطاني للحديث عن الأطر التي خرجت إلى أمريكا وقتها،    فإن الأمر اليوم يتعلق بآفة تنخر في صمت دولا وشعوبا هي في أمس الحاجة إلى أبنائها وتنذر بكوارث حقيقية، ليس أقلها التقارير الصادرة عن المنظمات الدولية ومراكز البحث الجامعية، وإن كان المشترك بينها دول الجنوب .

ففي تقرير لمركز الدراسات بجامعة أوطاوا فإن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء قد خسرت في ظرف وجيز ما يزيد عن اثنين مليار دولار نتيجة هجرة أطرها الطبية في اتجاه بلدان أكثر تقدما، حيث استفادت منهم كل من بريطانيا، كندا، أمريكا وأستراليا في وقت تعرف فيه هذه المناطق انتشارا كبيرا لمختلف الأمراض والأوبئة، لدرجة أن بعض المستشفيات أضحت شبه فارغة، والخطير في الأمر أن هذه الدول تلجأ لسد حاجياتها من الخصاص من خلال منظمات قادمة من الشمال” المتحضر”؛ ففي تقرير للبنك الدولي سنة 2006 فتكلفة مثل هكذا تغطية وصلت إلى 5600 مليون دولار، لتصبح بذلك الخسارة مضاعفة. هذا وقد كانت المنظمة العالمية للصحة قد نبهت في إحدى لقاءاتها بروما من خطورة استمرار نزيف الأطر الصحية بدول الجنوب. ولعل وباء” إيبولا” القاتل الذي ضرب عدة بلدان في غرب إفريقيا أبان عن هشاشة النظام الصحي بهذه المناطق وعن الخصاص المذهل في الكادر الطبي.

ومن البديهي أن هجرة العقول هي نتيجة حتمية لسياسات واختيارات طائشة مرتبطة بأنظمة تسلطية منهجها الإقصاء بحق هذه الفئة من خلال سياسة الزبونية والمحسوبية وكبح الحريات الجماعية منها والفردية كوسيلة للضغط وتصدير المغضوب عليهم إلى الخارج كما هو حال مصر اليوم. يضاف إلى ذلك غياب الإمكانيات ومراكز البحث في العديد من الدول مما يكبح حرية الخلق والابتكار لكثير من الراغبين في تطوير قدراتهم المعرفية. كما أن الرغبة في تحسين بروفايل بعض الباحثين يدفعهم إلى الهجرة لدول لها صيت في مجال البحث العلمي أو اكتساب  خبرات جديدة تعزز قدراتهم المعرفية، وهذا حال خريجي مجموعة من الجامعات الإيطالية الاسبانية والبرتغالية الذين استقروا في ألمانيا سويسرا وبريطانيا رغبة منهم في ربح رهان ما يسمى” الثورة الصناعية الرابعة”.

النموذج المغربي

تعتبر هجرة الأطر المغربية من المعضلات المزمنة وهي تعود  إلى أسباب  تتصل بالسياسات الحكومية التي يتم إملاؤها من طرف مؤسسات دولية همها تحميل المواطنين الأعباء المالية التي لم يكونوا طرفا فيها وتهم بالأساس فئات شعبية فقيرة وفئات من الطبقة المتوسطة، مما يقوض إمكانية العقول المغربية على تطوير معارفهم، وبالتالي يجدون في مغادرة وطنهم الحل الوحيد لتحقيق أمنياتهم، وفي ظل غياب معطيات مدققة ومفصلة حول الموضوع صادرة عن الجهات الرسمية فإننا سنكتفي بما أتيح لنا في هذا المجال .

ففي التقرير الإقليمي الثالث للهجرة الدولية والعربية الصادر عن جامعة الدول العربية لسنة 2014 يبقى المغرب ومصر من أكبر الدول تصديرا لهجرة العقول. هذا وتظل فرنسا البلد الأكثر استقبالا للطلبة المغاربة، مع انفتاح على بلدان جديدة مثل ألمانيا اسبانيا أيطاليا وبعض دول الفدرالية الروسية . ففي موسم 2014-2015 بلغ عدد الطلاب المغاربة في فرنسا وحدها 35199 بارتفاع 3.8عن 2013-2014 وأكثر من 9 بالمئة عن الفترة 2010-2014 ليتصدروا بذلك قائمة الطلاب الاجانب بفرنسا .

وإذا أخدنا بعين الاعتبار أن أكثر من 54 بالمئة يفضلون عدم العودة إلى بلدانهم حسب تقرير الجامعة العربية فإن الأمر يشكل حقيقة ضربة كبيرة للسياسة الحكومية التي لا تقوى على فعل أي شيء رغم اعترافها بالأمر، فليس بتخصيص نسب تقترب من الصفر من الناتج الداخلي الخام للبحث العلمي، أن نشجع العقول المغربية على البقاء داخل وطنها، وليس بإسناد مؤسسات البحث إلى غير أهلها يمكن أن نربح رهان الألفية الثالثة. وهو ما كان محط تساؤل بمجلس المستشارين بخصوص المؤسسة المغربية للابتكار والبحث العلمي.         

إن استمرار المنطق العتيق المتسم بالارتجالية والتدبير التقليدي واللاعقلانية الذي تم اتباعه  لسنوات بل لعقود أضرت كثيرا بالاقتصاد الوطني حيث تخلت الدولة عن رأسمال المعرفة والانتاج بعدما فرطت في ثروتها البشرية القادرة على فك شفرة التأهيل الحقيقي للبلاد والعباد في زمن يعيش فيه الاقتصاد المغربي مأزقا نتيجة ازدياد التوجه نحو العولمة. وهكذا وعلى الرغم مما طالعتنا به الحكومة الجديدة عن إمكانية تحقيق نسب نمو تنقل بموجبها المغرب إلى مصاف الدول الصاعدة فإن ما تم اتخاده في هذا الاتجاه في الموازنة يحد من أي تطور منتج للاقتصاد. فليس بتخفيض ميزانية التعليم والبحث العلمي يمكن أن نؤسس لاقتصاد صاعد قد يغري المستثمر ومن خلاله الكفاءات المغربية. فالمغرب لا يتوفر على ثروات طبيعية بالشكل الذي يجعل منه بلدا غنيا لكن هذا لا يمنع من الاستثمار في عنصر الثروة البشرية المتجددة الغير قابلة للنفاد. 

وفي هذا السياق يقول عالم الاقتصاد وصاحب جائزة نوبل” امارثيا سين” إن مقومات تطور بلد ما تكمن في أبناءه، فنمو الناتج الداخلي الخام ليس كافيا إن لم تتم مصاحبته بنمو فكري، مجتمعي وثقافي، فمحاربة الفقر لا تتم بتحسين الدخل الفردي بل بتحسين نوعية الحياة والتنشئة على الحرية.

أفكار ومقترحات

إن المغرب إذن مطالب بتطوير تعامله مع هذا الملف انطلاقا من الوعي بخطورة هذه الظاهرة وهذا لا يمكن أن يأتي عفويا، فلابد من تجميع الطاقات وتوحيد الإرادات، ومن هنا نرى أنه من الضروري:

– إيجاد استراتيجية علمية تأخذ بخصوصية المغرب كبلد مصدر لهذه الظاهرة.

– احتضان المشاريع العلمية ذات التأثير المباشر على التنمية.

– حرية المبادرة وتسهيل مساطرها.

– توفير البيئة الملائمة للباحثين لتفجير قدراتهم المعرفية مع المواكبة الضرورية.

– عقد شراكات مع مراكز ابحاث خارجية لنقل تجاربهم الى المغرب .

– الاقرار والعمل بمبدأ تكافئ الفرص وهذا لا يتم إلا من خلال سياسة إصلاح حقيقي تقر قوانين المنافسة الشريفة يكون جوهرها الكفاءة والعطاء والمقدرة العلمية وليس الانتماء بشتى تلاوينه.

– التركيز على مفهوم الهوية كعنصر مؤثر في هذا الباب.

– عقد شراكات مع هذه الأطر للاستفادة من تجربتها ولو عن طريق بعثات محدودة أو إقامات طويلة لتأطير الطلاب داخل مراكز أبحاث مغربية وهنا نجد في تجارب الصين والهند وتايوان أدلة مقنعة….

إن المصلحة اليوم تقتضي توقيف هذا النزيف المستمر في هدر الطاقات عبر ربط الوعي بالعمل لما فيه مصلحة الطن.

*فاعل جمعوي وباحث في قضايا الهجرة مقيم بإيطاليا

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.