Take a fresh look at your lifestyle.

السلطة والشأن الديني بالمغرب

0

عبدالله جبار*  

لقد شكل المغرب تاريخيا استثناء فيما يخص الهوية الدينية، ورغم كل الأحداث التاريخية التي مر بها فقد حافظ على وحدة البلاد ووحدة الدين وظل المغاربة مكتسبين لمناعة اتجاه كل الحركات التي حاولت أن تجد لنفسها موطئ قدم داخل المجتمع المغربي بفضل مذهبه وبوعي سكانه ووحدة علمائه.

لكن ما حدث في الريف بعد خطبة أواخر ماي الشهيرة بالحسيمة أدخل الشك للنفوس وأعاد للواجهة طرح مسألة تدبير وتسيير بل واستقلالية الشأن الديني في بلادنا.

إن مطلبا كهذا هدفه الحد من كل الإنزلاقات التي يمكن أن تنال من تميز النموذج المغربي عن غيره من البلدان، ويصبو إلى إعادة النظر في العلاقة بين السياسة والدين.

فإذا كان المغرب بلدا إسلاميا بإجماع كل القوى وأن مسألة جعل حدود فاصلة بين الاثنين أمرا من الصعب تحققه واقعيا، لأن الدين جزء من هويتنا وتاريخنا، بل ومن مميزاته أنه دين ودولة، بدليل وجود العديد من النصوص في القوانين المغربية مستمدة من أحكام  ديننا السمح، خلافا لما حدث في الغرب خلال عصر النهضة، حيث حيدت الكنيسة ونأت بنفسها عن التدخل في الشؤون السياسية واقتصر دورها على الشأن الكنسي الديني. فإن المغرب مطالب بمعالجة هذا التداخل والترابط أخذا بعين الاعتبار التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع حتى يظل التماسك خاصيته الأساسية.

إن التجربة المغربية اليوم تلفها جوانب متعددة لم يتم تسليط الأضواء عليها، إذ مازال هناك مد وجزر على مستوى الخطاب والممارسة مرده استمرار وجود عقلية تقليدية تنفرد فيها الحكومة باتخاذ القرار وفق أهواء أغلبية سياسية ينتج عنها إقحام الحقل الديني في صراعات هامشية تثير المزيد من القلاقل والاحتقان داخل المجتمع. فلم يسبق في تاريخ المغرب أن هُجرت المساجد وصلى المواطنون في الساحات والشوارع كما يحدث اليوم بغض النظر عن مدى معقولية وصواب الخطوة.

إنها رسالة قوية للوزارة الوصية ولأهل الاختصاص لالتقاط معناه ومغزاه.  فالدين للجميع ولا ينبغي استخدامه كأساس للصراع أو الضغط أو  التأثير في موازين القوى لدفع طرف ما للتنازل وقبول شروط الطرف الآخر. فالحكمة تقتضي تبني استراتيجية قائمة على الاقناع  والاستعداد لمعالجة الأخطاء والقضايا الخلافية بحكمة وترو ورأب الهوة مهما كان حجمها، وأن تتخلص الحكومة من ثقل القرارات التي يمكن أن تؤثر على ثقة المواطن بها  أو تدفع للصدام معه، فالقرارات لا ينبغي اتخاذها بناء على ردة الفعل بل يجب إخضاعها للدراسة لمعرفة آثارها على المجتمع والدولة معا، كما حدث مع بيان وزارة الأوقاف الذي سارع إلى اتهام مواطنين بالخروج عن الجماعة وإثارة الفتنة، وهو ما لم يحصل مع أحداث شبه مماثلة وقعت سنة 2016 بمسجد يوسف بن تاشفين بفاس، عقب عزل إمام وخطيب مسجد، حيث أنزل الإمام الجديد من فوق المنبر وردد المصلون هتافات من داخل المسجد تطالب بإعادة الإمام المعزول.

إن حدثا كهذا يدفعنا إلى طرح تساؤلين أساسيين: لماذا لم تكن نبرة الوزارة بنفس الحدة؟ ولماذا هذا الكيل بمكيالين؟

إن الجواب لا يمكن فهمه إلا من خلال رغبة البعض في تطويع الدين وجعله خادما وفيا للسياسة، إنه أمر مرفوض وغير مقبول لأنه يناقض أسس الدين الإسلامي بما هو دين عدل ونصرة المظلومين، ونقيض للديمقراطية نفسها التي هي أساس الحكم ومرتكز العمل السياسي، مما يولد استياء كبيرا لدى المواطن.   

إن انعدام الثقة في هذا الباب تتحمل مسؤوليته الحكومة، فهي على صلة بما تقدمه من خدمات للفرد من خلال أدائها اليومي والمباشر على مستوى القرارات والسياسات التي تقرها في مختلف القطاعات، وبما أن الحقل الديني له ارتباط بكينونة الإنسان وبوجوده، ومدى قوة تأثيره على اعتقاده وعلى سلوك الفرد اليومي، فمن الضروري أن يظل الدين في خدمة الجميع، وأن يكون على نفس المسافة من أطراف الصراع، وهذا لن يتأتى إلا بإعادة النظر في ثقافتنا الدينية وصياغتها بما يجعلها نقية من كل التراكمات والشوائب التي يستغلها سواء تجار الدين في المناسبات السياسية أو رجال السلطة في تدجين خصومهم، الى وضعها الأصلي والطبيعي لتجاوز حالة الاستقطاب التي أصبحت اليوم ظاهرة في المجتمع المغربي، من خلال وجود جماعات غير متحكم فيها قد تستغل هكذا وضعية لتعبئة الغاضبين وتجنيدهم في صفوفها.

إن نقاشا هادئا ومسؤولا هو الطريق الأمثل لتحيين تجربة الحقل الديني المغربي لجعله يواكب الديناميكية الجديدة للمجتمع وعنصر محرك للاجتهاد الفقهي الذي خفت نوره خلافا للأزمنة  السابقة. 

*فاعل جمعوي باحث في قضايا الهجرة مقيم بإيطاليا

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.