في الحقيقة لا يسع المرء إلا أن يتأسف على حال جيراننا وأشقائنا الجزائريين، الذين شاءت الأقدار أن يداروا ويتول أمرهم جنرالات هم أخبث من الخبث، بشهادة الجزائريين أنفسهم، ولاسيما منهم الذين حظوا بإقامة في إحدى الدول الديمقراطية الغربية، من حيث بدأوا يعبرون عن أفكارهم ورفضهم للطغمة العسكرية الحاكمة في قصر المرادية، وينشرون ذلك على مواقع التواصل الاجتماعي !
وعندما أصف أولائك ذوي البزات العسكرية الجاثمين على صدور أحفاد المليون شهيد بـ”الخبث”، فليس لأني “أحقد” على شعب جار وشقيق أتقاسم وإياه الدم والثقافة والمصير المشترك، كما يصورنا –نحن المغاربة- إعلام النظام العسكري المغتصب للسلطة منذ بداية تسعينات القرن الماضي، على الأقل، من حيث الطريقة الانقلابية التي اغتصب بها السلطة وقتها من قوة انتخابية نالت رضى الشعب، فقاد البلاد والعباد إلى فتنة ما يزال جمرها لم يخمد بعد تحت الرماد. ولكني أصفهم بالخبثاء عندما أجدني أقرأ بشكل يكاد يكون يوميا قصاصات أخبار يحررها ضباط المخابرات التابعين لجنرالات العسكر، والذين بعدما أمعنوا في سلب واغتصاب خيرات الشعب الجزائري، من عائدات الغاز، بحيث بتنا نرى ونشهد كيف أن الجزائري أصبح لا يتردد في ركوب أمواج البحر طلبا في عيش كريم بالضفاف الأوروبية، أو يهاجر إلى تونس وليبيا الخارجتين للتو من تسلط أنظمة ديكتاتورية، للحصول على فرصة عمل؛ تلك القصاصات كلها مليئة بالحقد والكراهية والبغض وتسميم الأجواء الصافية بين الإخوة الجزائريين والمغاربة. وهي الأساليب التي ما عاد ينطلي على أحد هدف جنرالات قصر المرادية منها؛ وهو تضليل الرأي العام الجزائري وجعل المغرب المكان المفضل لتعليق مشجب الأزمات الاجتماعية المتوالية التي يتخبط فيها بلد ضرب أرقاما قياسية في عائدات الغاز من العملة الصعبة، بشهادة حكام ذاك القصر أنفسهم، لكن دون أن يظهر فضل تلك الخيرات على أهل الجزائر، فأين تختفي وتُكدس تلك الأموال يا ترى؟ !
وبكل تأكيد هدف خبثاء قصر المرادية، بالأساس، التشويش على تقدم بلادنا غير البترولية، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، وليس هناك من سبيل لهذا التشويش غير منازعته على أرضه من خلال إيواء انفصاليين وتسخير كل الإمكانيات المادية والمعنوية لهم. والهدف الثاني هو جعل المغرب “بعبعا” يجبر الشعب الجزائري على تصوره ووضعه بمخياله الشعبي والقومي، بحيث يصبح من السهل، تصوره عدوا بعد كل تلك المجهودات الخبيثة ورصد كل إمكانيات المال العام لها، لرسم صورة زائفة ومخادعة تماما لواقع الأمر، بحيث كيف يصبح بلدا ضحّى بحرية بلده يوما ما، وكان قاعدة لثوار الجزائر يوم كان الرجال يقودون معارك التحرر الحقيقية بأرض أشقائنا، أن يصبح منبعا ومصدرا لـ”عدوان متنامي” للشعب الجزائري، على حد تعبير إحدى الصحف التابعة لجنرالات العسكر.
لقد خرجت علينا، نهاية الأسبوع، واحدة من تلك الصحف التي أصبح الشعب الجزائري يخرج، في سابقة على المستوى العالمي وفي التاريخ، إلى الشاعر احتجاجا ضد تحولها إلى أبواق النظام العسكري الحاكم بالجزائر، وإلى لسان حاله تنقل ما يُحيكه الجنرالات في ظلام وفي غير رغبة الشعب الطواق إلى الانعتاق؛ خرجت معممة ما نسبته إلى مسؤول “سام”، ولا أخاله لعمري إلا ضابطا “ساميا” (لا أخلاقيا طبعا ولكن عسكريا)، ما وصفته بالشروط الثلاث لإعادة فتح الحدود مع المغرب، في رد، على ما يبدو، على الإحراج المتواصل الذي يضع فيه المسؤولون المغاربة، حكام الجزائر، في مختلف المناسبات، عندما يرمون بالمسؤولية على إغلاق الحدود، وهذا واقع، على الطرف الآخر. وبرأي ذاك المسؤول، الذي يؤكد كلامه على ضيق صدر العسكر هناك بجارتنا، فإن تلك الشروط “المستحيل” طبعا تحقيقها، إما لانتفائها أصلا، أو لعدم إمكانية حصولها بسبب طبيعة الأمور، تكمن في:
أولا: الوقف الفوري لما وصفه المسؤول الجزائري بحملة “التشويه الإعلامي” والموقف “العدواني المتنامي” حيال الجزائر من طرف المغرب(لاحظوا كيف أنهم لا يميزون بين الشعب المغربي ومسؤوليه).
ثانيا: التعاون الكامل والعملي والفعال لوقف “الهجوم الضخم” في حق الجزائر المستهدفة بتهريب وتسريب المخدرات (وهي سبة مافتئوا يوجهونها للمغرب، أكثر من هي مشكلة عالمية ينبغي التعاون لمواجهتها كما يتعاون المغرب معهم لمحاربة الإرهاب).
ثالثا: اعتراف المغرب بأن للجزائر موقفا ثابتا ولا رجعة فيه بشأن مسألة الصحراء ! لاحظوا غباء هؤلاء العسكر، الذين يطلبون من الرباط “الاعتراف” بأن الجزائر لها موقف معاد لوحدة المغرب الترابية، وهو الموقف الذي تحمله ما لاطاقة له به، عندما تقحمه عنوة في ما يسمى تقرير مصير الشعوب !
إنها المستحيلات التي لا يرجو بها جنرالات قصر المرادية لا فتح الحدود ولا تقريب أواصر القربى بين الشعبين، ولكن فقط توسيع الهوة بين الشعبين، وإمعان العداء والكراهية إزاء هذا الوطن الغربي لهم، والذي كبدهم ذات أيام ستينية هزيمة نكراء في حرب غادرة أرادوا استغلالها لربح كيلومترات على الحدود..واسألوا الرمال لعلكم تذكرون !