صدر مؤخرا كتاب يبحث في الصلات بين “الموسيقى السوداء” التي نشأت في بعض دول القارة الأميركية المطلة على المحيط الأطلسي، وتشمل الولايات المتحدة وجامايكا وبعض دول أميركا الجنوبية، من ناحية والدين الإسلامي من ناحية أخرى.
وقد ذهب الكتاب، المكتوب بواسطة أيدي الذي يعمل محاضرا في قسم الشؤون الدولية في جامعة كولومبيا، إلى الربط بين المفكر الحقوقي الأميركي الذي اعتنق الدين الإسلامي مالكوم اكس، والمطربة الكولومبية ذات الأصول اللبنانية شاكيرا، وفقا لما جاء في موقع ميدل أيست أونلاين.
ويقارن ايدي في كتابه، الذي جاء تحت عنوان ربيل ميوزيك (الموسيقى المتمردة)، بين الطلائع الاولى للمهاجرين الاسبان والبرتغاليين إلى أميركا الجنوبية في القرن السادس عشر، وتأثرهم بالثقافة الإسلامية المغاربية، التي تمددت معهم إلى تلك المناطق اللاتينية، وبين “سفراء الهيب هوب” الذين تقوم وزارة الخارجية الأميركية حاليا بإرسالهم إلى دول الشرق الأوسط لنشر التعددية الأميركية وحرية التعبير والإبداع.
وقالت صحيفة “ذي ناشيونال”، التي تصدر باللغة الانكليزية في ابوظبي، أن ايدي يرصد الحركات الاسلامية السوداء التي ظهرت في الولايات المتحدة في الثلث الأول من القرن العشرين، كحركة “أمة الاسلام” بزعاكمة اكس عام 1930، وغيرها.
ويقول أنه مع نشأت هذه الحركات ظهرت الموسيقى السوداء، التي استعملها ايدي كخط رفيع قاده إلى التاريخ الاجتماعي للحركة الدينية السوداء في تلك الفترة، وخاصة فرق الجاز الاميركية في الفترة ما قبل الحب العالمية الثانية.
وقد نشرت مجلة “ايبوني” عام 1953 قائمة ضمت 200 فرقة جاز “مسلمة” تحت عنوان “الدين القديم يجذب الأجيال الجديدة”.
ومع تحول موسيقى الجاز إلى ماركة عالمية قادرة على جذب الشباب من جميع الأجناس والأعراق، على الرغم من استمرارها كمرادف للثقافة الأفرو-أميركية، فقد قرر ايدي تتبع صلة هذا النوع من الموسيقى الطاغية بالإسلام.
اقترح المؤلف أن يكون للنشطاء الأفارقة المسلمين، من أمثال مالكوم اكس، تأثيرا على ثقافة الشباب، الذين تحولوا فيما بعد إلى نجوم موسيقى الهيب هوب، مثل موس ديف وايس كيوب وغيرهم، وهو التأثير الذي يقول ايدي انه تمدد في اوروبا حتى وصل إلى المدن الكبرى في هولندا وألمانيا وفرنسا.
المزيد من المشاركات
الكتاب رصد في مجمله تحول الشباب المسلم في اوروبا إلى موسيقى الهيب هوب بكثافة، وهو ما فسره مؤلفه بـ “العزلة الايديولوجية التي أصابت المسلمين بشكل عام في الغرب بعد احداث 11 سبتمبر، ما ساهم في تنامي فكرة الاخوة بين الاقليات المسلمة”، في لغة تحمل انتقادا صريحا للسياسة الخارجية الاميركية.
فالكتاب يسير في كثير من فصوله على نهج السخرية الضمنية لدوافع الولايات المتحدة في اختيار المسلمين المحافظين كحلفاء لها. وتحدث الكتاب عن الحرب العربية الباردة في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ولم يتجاهل انتقاد الولايات المتحدة لغضها الطرف عن ممارسات السلفية الوهابية المتشددة في السعودية في مقابل القومية العلمانية التي كان يتزعمها جمال عبدالناصر في مصر.
وعندما بدأت مرحلة الحرب على الإرهاب، بدأت واشنطن في بني إستراتيجية جديدة تعتمد على دعم ومساندة الطرق الصوفية في العالم الإسلامية بداية من اندونيسيا وحتى إثيوبيا، ولكن تم وضع هذه الإستراتيجية في النهاية على الرف أيضا، عقب استهدافها واتهامها من قبل البعض بالخلط بين اللاهوت ومحاربة الإرهاب وتوجيه الانتقاد لتأثيرات ذلك على استدعاء الخلافات الطائفية.
وفي عام 2005 ظهر على السطح مشروع جديد يحمل قدرا من الغرابة ضمن السياسة الأميركية في الحرب على الإرهاب. فقد بدأت وزارة الخارجية الأميركية في إرسال مطربي الراب والدي جي لدول في اسيا وإفريقيا وشرق أوروبا لتأسيس وإدارة ورش عمل فنية للموسيقيين المحليين.
تقول إدارة المهام في الوزارة إن الهدف من إرسال هؤلاء للخارج هو “استخدام موسيقى الهيب هوب كأداء للدبلوماسية الثقافية وحل المنازعات”.
تمتد هذه الخطة إلى حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، عندما اعتادت الحكومة على إرسال مطربي الجاز، أمثال ديزي غليسبي ولويس ارمسترونغ إلى دول الاتحاد السوفيتي لنشر تفاصيل الحياة الاميركية والتسويق لها.
ربما تكون تضاريس الثقافة التي اختار ايدي أن يكتب عنها ليست واضحة المعالم بعد، ولكنه مازال يقوم بعمل شاق لرسم خرائطها قطعة قطعة. في سرده للوقائع والقصص بين صفحات كتابه، يوضح ايدي كيف تمكنت الثقافة الأفرو-أميركية والإسلام من التداخل وتقديم كل طرف الدعم اللازم للطرف الأخر، وكيف عانى في نفس الوقت كلا الطرفين تحت سلطة السياسيين، إلا أنهما رغم ذلك كله، بحسب ايدي، سيظلان مصدرا للمقاومة الخلاقة.
الناس- ميدل ايست أونلاين