Modern technology gives us many things.

من أدب المهجر إلى عوالم باولو كويلو: الرحلة البرازيلية للثقافة العربية

0

أرض استقبال للباحثين عن رزق معلق انسدت أبوابه في الأوطان ومقصدا للهائمين على وجوههم في المدى المجهول والشغوفين بمتعة اكتشاف العالم المتواري وراء ظلمات المحيط وفي أغوار الغابات، وطدت البرازيل عبر تاريخها تجربة حضارية سمتها الانفتاح على الآخر واحتضان الأعراق والثقافات المختلفة.

يقول المؤرخون إن عربا كانوا أول من وطأ عالما كان يعزله بحر الظلمات وتطوقه أساطير المجهول، يؤكدون أن ريادتهم في ترويض هدير المحيط بوأتهم موقع النخبة في طاقم الباخرة التي أقلت المكتشف كابرال نحو ضم قارة عظيمة الى خريطة العالم قبل أكثر من خمسة قرون. تورد المصادر أن بعض ضحايا محاكم التفتيش في الأندلس من ركبوا خطر البحر في اتجاه الغرب، بحثا عن سلامة البدن وأمان العقيدة، ليكتبوا سيرة اغتراب موريسكي تفرقت آلامه عبر الأنحاء، وأن غالبية الأفارقة الذين هجروا لإنعاش أسواق النخاسة في العالم الجديد كانوا مسلمين يتلون القرآن بالعربية. على أن هذه المحطات المختزلة من سجل الإنزال الديموغرافي في أرض البرازيل لم تفرز بصمة حضارية بارزة للثقافة العربية في النسيج البرازيلي الذي شكلته بالأساس ثقافات المعمرين الأوروبيين بتفاعل مع عادات السكان المحليين وتراث الزنوج.

كان ينبغي انتظار بداية القرن العشرين، وخصوصا اندلاع الحرب العالمية الأولى، لينفتح فصل جديد عنوانه مغامرة ثقافية عربية في حضن الأمازون، خاضها أعلام من الشعراء والكتاب والصحافيين الذين أحرقوا سفن العودة الى بلاد الشام حاملين مزيجا من حلم وألم وحنين خلدته دواوين الغربة في المهجر الأمريكي، الذي بدأ اضطراريا وانتهى أبديا.

هي أسماء لم تنل ذات الحظ من الشهرة التي حازها أعلام المهجر الشمالي من أمثال جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، لكنها صنعت مع ذلك ذاكرة ثقافية مشتركة معلقة بين عالمين، على غرار الثلاثي فوزي وشفيق ورياض، من آل معلوف، وإلياس فرحات والشاعر رشيد سليم الخوري (الملقب بالشاعر القروي). ولم تخل القائمة من أديبات رائدات مثل مريانا دعبول فاخوري رئيسة تحرير مجلة “المراحل” في ساو باولو وسلوى أطلس رئيسة تحرير مجلة “الكرامة”. كما اتخذت هذه الحيوية الأدبية النازحة الى البرازيل طابعا تنظيميا من خلال تأسيس نوادي ثقافية عربية كان من أبرزها “النادي الحمصي”.

وجدير بالذكر أن فرنسيسكو فيلايسبيسا، الشاعر الاسباني الذي أقام طويلا في البرازيل، كتب مقدمة طويلة لديوان فوزي معلوف “على بساط الريح” ضمنه مديحا للإبداع الشعري العربي ككل معتبرا أن الشعر العربي حافظ على أصالته ورقيه “منذ عهد امرئ القيس إلى عصر المتنبي وصولا إلى أيام المعلوف”.

وكانت صفحات هذه المرحلة البارزة من أدب المهجر بالبرازيل قد طويت بوفاة رياض المعلوف، آخر شعراء العصبة الأندلسية في البرازيل، وآخر شعراء آل معلوف المهجريين.

وإن كان الإرث الأدبي للنخبة العربية المهاجرة قد ظل حبيس الرحم التي أنجبته، لغة وأسلوبا ورؤية، دون إحداث تأثير ملحوظ على صناع الأدب البرازيلي وقرائه، فإن الثقافة العربية وجدت سبيلها الى الأدب البرازيلي من خلال جسر ربط بين نص عربي خالد “ألف ليلة وليلة” والكاتب البرازيلي الأشهر والأكثر مبيعا، باولو كويلو.

البحث عن الأسطورة الذاتية للفرد المترنح في عالم الحيرة واللامعنى، استكشاف الأعماق الغامضة في الكيان البشري، تذكر ما تناسته الانسانية عبر تاريخها الطويل، مراودة عوالم الحلم والدوافع الخفية للسلوك، السفر كانتقال مادي وروحي عبر الفضاء والزمن، تلك عناصر تحضر بقوة في المنجز الروائي لصاحب “الخيميائي”، وتفسر اهتمامه بجوانب تراثية معينة في الثقافة العربية، يتجاور فيها الأسطوري والغرائبي مع الصوفي والروحي والحكائي.


وقد أقر باولو كويلو في مناسبات عديدة بتأثير الثقافة العربية والإسلامية على متخيله السردي، خصوصا لدى اطلاعه المبكر على كتاب “ألف ليلة وليلة” وبعض عيون التراث الصوفي الاسلامي. وأتيح لكويلو أن يلمس عن قرب عوالم هذا التراث خلال زيارته الأولى لمدينة طنجة التي سحرته ووفرت له الى جانب رحلته المصرية فضاء تخييليا لكتابة روايته “الخيميائي”. بل إنه لم يحصر شغفه “العربي” في المدار التراثي فقط، إذ يعتبر الأديب اللبناني جبران خليل جبران، وخصوصا كتابه “النبي” مرجعا أدبيا حاسما في مساره الإبداعي.

وتكفي عناوين عدد من أشهر رواياته لينجلي عمق استلهام باولو كويلو لمناهل الثقافة العربية: “زهير”، “حاج كومبوستيلا”، “مكتوب”، وفي جميعها يبني الكاتب فضاء روحانيا يولي الاعتبار للأبعاد الخفية والغيبية التي لا يتحكم فيها الكائن البشري، بل ربما تحكمت فيه ووجهت مصائره.

أن تحط أوراق صفراء من العصور السحيقة للأدب العربي، رحالها في مخيال خلاق لكاتب ينزوي داخل شقته في ريو دي جانيرو ، فذاك يعني أن حواجز الجغرافيا وعوادي السنين لا تثني طائر الأدب عن التحليق مجنحا، يؤالف بين عوالم حضارية مختلفة ويكتب ذاكرة مشتركة في ذمة التراث الانساني.

الناس-ماب

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.