في خطاب صريح وجريء للقصر الملكي الذي اعتاد تحاشي تسمية الأمور بمسمياتها بخصوص قضية الصحراء المغربية، بالنظر إلى تعقّدها، اتهم العاهل المغربي بصراحة ومباشرة الجارة الشرقية للمملكة المغربية، الجزائر بالضلوع في معاكسة المغرب وبالرغبة في فصل صحرائه منه، واصفا إياها بـ”الطرف الحقيقي والرئيسي” في الملف، وبأنه تستغل “الورقة الخضراء”، في إشارة إلى عائدات الثروة النفطية والغازية التي تزخر بها الجزائر، من أجل الترويج ضد مشروعية حق المغرب في وحدة أراضيه.
وبعدما أشار الملك في خطاب يوم الخميس بمناسبة إحياء المغرب للذكرى 39 للمسيرة الخضراء، إلى أن الأوراش التي سيقوم بها المغرب خلال السنة المقبلة تعتبر حاسمة، لمستقبل المنطقة، ويتعلق الأمر بتفعيل الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، أكد الملك أن على أن الهدف هو وجود “مناطق وجهات متضامنة ومتكاملة، غيورة على بعضها البعض”، مفصلا أن “المغاربة تلاقح حضاري أصيل، بين جميع مكونات الهوية المغربية. وهم عندنا سواسية. لا فرق بين الجبلي والريفي، والصحراوي والسوسي…”.
وفي هذا السياق ذكر العاهل المغربي “أن البحث الأكاديمي في مكونات هويتنا، مفيد لترسيخ الوحدة الوطنية. أما النقاش الذي يقوم على التعصب، ويميل لزرع التفرقة، فلا يسمن ولا يغني من جوع”، “ومن يدعي أنه لا ينتمي لهذا المزيج، فهو مخطئ. ومن يحاول إثبات عكس ذلك قد يفقد صوابه”، قبل أن يؤكد أن “الجهوية التي نريدها، هي استثمار لهذا الغنى، والتنوع البشري والطبيعي، وترسيخ لهذا التمازج والتضامن والتكامل بين أبناء الوطن الواحد، وبين جميع مناطقه”، فالمغرب الموحد للجهات لا يعني أبدا، التعصب القبلي، يقول الملك محمد السادس، و”لن يكون عاملا للتفرقة والانفصال. لأنه أمر ممنوع، سواء في الدستور القديم، أو الجديد للمملكة”.
وبعدما استحضر “بكل تقدير، جميع الذين قدموا حياتهم، في سبيل الدفاع عن الصحراء، فهناك أمهات وآباء من جميع أنحاء الوطن، فقدوا أبناءهم في الصحراء. وهناك أرامل تحملن أعباء الحياة وحدهن، وأيتام لم يعرفوا حنان الأب، من أجل الصحراء. وهناك شباب فقدوا حريتهم، وعاشوا أسرى لسنوات طويلة، في سبيل الصحراء”، قال الملك محمد السادس، إن “الصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم. الصحراء قضية كل المغاربة”، مذكرا بقوله في خطاب سابق بأن “الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود”، وبأن “المغرب سيظل في صحرائه والصحراء في مغربها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها”.
وفي رده على مغالطات خصوم المملكة والحرب الإعلامية التي تروج بكون المغرب يستنزف خيرات مزعومة في الصحراء، كشف الملك محمد السادس، أن مؤشرات التنمية البشرية بالمنطقة (أي الصحراء)، سنة 1975، كانت أقل ب6 بالمائة من جهات شمال المغرب، وب51 بالمائة مقارنة بإسبانيا، أما اليوم، فهذه المؤشرات بالأقاليم الجنوبية، تفوق بكثير المعدل الوطني لباقي جهات المملكة. لهذا أقول، يقول الملك، وبكل مسؤولية، كفى من الترويج المغلوط لاستغلال المغرب لثروات المنطقة.
وأقر العاهل المغربي بأن نمط التدبير بالصحراء، هو الذي “عرف بعض الاختلالات، جعلتها، مع توالي السنوات، مجالا لاقتصاد الريع وللامتيازات المجانية”، وهو ما أدى -بحسبه- إلى حالة من الاستياء لدى البعض، وتزايد الشعور بالغبن والإقصاء، لدى فئات من المواطنين”.
وفي هذا السياق أشار الملك إلى أنه يعرف جيدا “أن هناك من يخدم الوطن، بكل غيرة وصدق. كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه”، مضيفا قوله، “هؤلاء الذين جعلوا من الابتزاز مذهبا راسخا، ومن الريع والامتيازات حقا ثابتا، ومن المتاجرة بالقضية الوطنية، مطية لتحقيق مصالح ذاتية”، قبل أن يشير إلى أن هناك “من يضعون رجلا في الوطن، إذا استفادوا من خيراته، ورجلا مع أعدائه إذا لم يستفيدوا”.
وبنبرة حازمة قال الملك للفئة الأخيرة: “كفى من سياسة الريع والامتيازات. وكفى من الاسترزاق بالوطن”.
إلا أنه مع ذلك سرعان ما أشار الملك إلى أنه “لا يجب تضخيم الأمر. فهؤلاء الانتهازيون قلة ليس لهم أي مكان بين المغاربة. ولن يؤثروا على تشبث الصحراويين بوطنهم”، لذا، وإنصافا لكل أبناء الصحراء، وللأغلبية الصامتة التي تؤمن بوحدة الوطن، دعونا لإعادة النظر جذريا في نمط الحكامة بأقاليمنا الجنوبية. وفي هذا الإطار، يندرج قرارنا بتفعيل الجهوية المتقدمة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية. غايتنا إجراء قطيعة مع نمط التدبير السابق، وتمكين أبناء المنطقة من المشاركة في تدبير شؤونهم المحلية، في ظل الشفافية والمسؤولية، وتكافؤ الفرص، يقول الملك محمد السادس، الذي نبّه بعد ذلك إلى أن “أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا. فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية والخيانة”، “كما أنه ليس هناك درجات في الوطنية، ولا في الخيانة. فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما أن يكون خائنا”.
وفي هذا السياق قال الملك “صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك. ولكن مرة واحدة، لمن تاب ورجع إلى الصواب. أما من يتمادى في خيانة الوطن، فإن جميع القوانين الوطنية والدولية، تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى”، وهو ما يبدو أنها رسالة إلى الذين يسمون انفصاليي الداخل الذين يزورون الجزائر ويلتقون بأجهزة مخابراتها ومع انفصاليي البوليساريو.
وأردف العاهل المغربي يقول، “إننا نعرف أن الإنسان يمكن أن يخطئ، ولكن الخيانة لا تغتفر. والمغرب لن يكون أبدا، مصنعا “لشهداء الخيانة”، أما الشهداء الحقيقيون، هم الذين وهبوا أرواحهم في سبيل حرية واستقلال الوطن، والذين استشهدوا دفاعا عن سيادته ووحدته، لهذا أقول، والكلام للملك محمد السادس، “كفى من المزايدات على المغرب. وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات، التي يوفرها الوطن، للتآمر عليه”.
وذكر الملك، بخصوص المفاوضات مع الطرف الآخر، بأن المغرب ليس لديه أي عقدة، لا في التفاوض المباشر، ولا عن طريق الوساطة الأممية مع أي كان. ولكن يجب التأكيد هنا، على أن سيادة المغرب، على كامل أراضيه ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة، مضيفا قوله، “غير أن اختيار المغرب للتعاون، مع جميع الأطراف، بصدق وحسن نية، لا ينبغي فهمه على أنه ضعف، أو اتخاذه كدافع لطلب المزيد من التنازلات”، فمبادرة الحكم الذاتي، هي أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب، في إطار التفاوض، من أجل إيجاد حل نهائي، لهذا النزاع الإقليمي، يقول الملك.
وعاتب الملك القوى الدولية الكبرى على أنها في الوقت الذي “يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب؛ فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض، مع قضية وحدته الترابية”، مؤكدا أنه “دون تحميل المسؤولية للجزائر، الطرف الرئيسي في هذا النزاع، لن يكون هناك حل. وبدون منظور مسؤول للواقع الأمني المتوتر بالمنطقة، لن يكون هناك استقرار”.
وبخصوص الجارة الشرقية قال الملك أنه “إذا كان المغرب ليس لديه لا بترول ولا غاز، بينما الطرف الآخر لديه ورقة خضراء، يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية، فإن لدينا مبادئنا، وعدالة قضيتنا. بل لدينا أكثر من ذلك: حب المغاربة وتشبثهم بوطنهم، مذكرا أنه “مخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء، سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة، أو توصيات غامضة، تقوم على محاولة التوفيق بين مطالب جميع الأطراف، و “مخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء، سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة، أو توصيات غامضة، تقوم على محاولة التوفيق بين مطالب جميع الأطراف”، ومخطئ أيضا من يحاول مقارنة الصحراء بتيمور الشرقية أو ببعض النزاعات الترابية بأوروبا الشرقية. لأن لكل قضية خصوصياتها. فارتباط سكان الصحراء بالمغرب، ليس وليد اليوم، بل تمتد جذوره في أعماق التاريخ”.
إدريس بادا