Take a fresh look at your lifestyle.

معنى ومفهوم المواطنة والمواطن

0

المواطن هو عضو في جماعة سياسية يتمتع بحقوق المواطنة ويؤدي واجباتها. والجماعة السياسية، هنا، هي “المجتمع المنظم” أو “الأمة المنظمة” أو الشعب، أي إن المواطن عضو في دولة حديثة يتمتع بما تقرره المواطنة من حقوق مدنية وسياسية وما تعينه من واجبات مدنية والتزامات قانونية، وفق تعريف الدولة بأنها “مجتمع سياسي” (مقابل المجتمع المدني)، أو “مجتمع منظم” أو “أمة منظمة”، أو شكل الحياة السياسية والأخلاقية لشعب من الشعوب، بحسب ما يكون المدخل إلى التعريف اجتماعيًا (سوسيولوجيًا) أو ثقافيًا وأخلاقيًا أو سياسيًا أو قانونيًا.

هذا التعريف العام الواسع نجده مع قليل من التغيير والاختلاف في أعمال المؤلفين المعاصرين الذين يتخذونه مدخلاً لتحديد معنى المواطنة. ومع ذلك فإن نقطة البدء هذه مرجع جدير بالثقة، لأنها تحيل على تاريخ المفهوم وتغير دلالته من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر ومن تجربة تاريخية إلى أخرى. لكن ما هو مؤكد اليوم هو اقتران مفهوم المواطنة ومفهوم الدولة الوطنية أو القومية الحديثة ، على اختلاف الأنظمة السياسية.

 فلا يمكن الحديث عن المواطنة في القرن الحادي والعشرين، بمعزل عن المجتمع المدني والدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون والمؤسسات ، بما هي مقدمة ضرورية للدولة الديمقراطية . فإن المواطنة بركنيها الأساسيين: المساواة والحرية هي ما يجعل من الديمقراطية نظامًا تواصليًا مفتوحًا على أفق إنساني بقدر ما هو مفتوح على النمو والتقدم . بل لا يمكن الحديث عن المواطنة التي تستحق اسمها إلا بالانطلاق من قاعدة إنسانية واعتماد معايير إنسانية.

المرجع الجدير بالثقة في هذا المجال هو الشرعة العالمية لحقوق الإنسان والعهود والمواثيق الملحقة بها ، مضافًا إليها حقوق المواطن كما أنضجتها التجارب السياسية الأكثر تقدمًا والأقرب إلى الديمقراطية . ولعله من قبيل اللغو ومحاولة الالتفاف على هذا المرجع العالمي حديثُ بعضهم عن ميثاق عربي أو إسلامي لحقوق الإنسان ، كأن العرب أو المسلمين جنس آخر غير الجنس البشري والجماعة الإنسانية ، ومن ذلك ما يسمى “التحفظات” العربية والإسلامية على المعاهدات والمواثيق الخاصة بتمكين المرأة وحقوق الأقليات . المواطنة وفق هذين المرجعين ، حقوق الإنسان وحقوق المواطن هي انعتاق سياسي من التبعية والاستبداد ، ومقدمة ضرورية للانعتاق الإنساني.

من جميع الشروط التي تهين الكرامة الإنسانية هي أساس الوطنية ورافعتها . فلا يمكن أن يعترف أحدنا بتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات إذا لم يعترف أولاً بتساويهم في الكرامة الإنسانية. الإنسانية والمواطنة صفتان لا تقبلان التفاوت والتفاضل؛ فليس من فرد إنساني هو أكثر أو أقل إنسانية من الآخر، وليس من عضو في دولة معينة هو مواطن أكثر أو أقل من الآخر . تجدر الإشارة هنا إلى تقليد سياسي رديء عندنا حين نصف هذا الشخص أو ذاك أو نحكم عليه بأنه وطني ، وعلى آخر بأنه غير وطني، أو حين نحكم على حزب أو اتجاه فكري وسياسي بأنه وطني وما عداه غير وطني ، فإن نزع صفة الوطنية عن شخص أو حزب أو اتجاه سياسي هو هدم لمبدأ المواطنة، لا ينم على جهل بما هي المواطنة فقط، بل ينم على استبداد. الجهل والاستبداد صنوان، والمستبد هو أجهل الجاهلين، لأنه ليس في حاجة إلى أن يعرف، بل في حاجة إلى أن يريد فقط. لأن المواطنة غير معيشة في الواقع حولناها إلى حكم قيمة، وهكذا بقية المفاهيم الحديثة. ولا ينتبه من يطلقون هذا النوع من الأحكام أن أحكامهم ذات أصل ديني أو مذهبي، فالتخوين في الخطاب السياسي كالتكفير في الخطاب الديني سواء بسواء، ويعني في الحالين إخراج الآخر من الملة وإحلال دمه وماله وعرضه. فليس من قبيل المصادفة أن الأحزاب الأيديولوجية، القومية والاشتراكية والإسلامية كلها، تحولت إلى ملل ونحل وطوائف جديدة معادية للحرية ومهينة للكرامة الإنسانية، مثلها مثل الملل والنحل والطوائف أو الأرثوذكسيات الدينية. الأحزاب الأيديولوجية هي عفن المجتمع التقليدي وقد صار أحزابًا “سياسية”، هي طائفية المجتمع التقليدي وهمجيته في إهاب “علماني” زائف. هذا العار يجب نشره على الملأ. ألا تكفي ممارسات الأحزاب القومية والاشتراكية والإسلامية التي اغتصبت السلطة في غير مكان دليلاً على ذلك؟.

ثمة تحديان يواجهان المنظرين ويوجهان عملهم في إعادة فحص المفهوم وتعيين حدوده وتحريره من ماضيه: الأول هو تقدير ما أنجزه الديمقراطيون الليبراليون وفق اختلاف النظم السياسية وتعدد النماذج الديمقراطية واختلاف مبادئها وقوانينها. والثاني هو ضغط العولمة الشديد على كل ما هو محلي ، وبروز مفهوم “المواطن العالمي” فلا يزال الناس يتحدثون في اللغة السياسية والدبلوماسية عن “رعايا الدولة” وعن “دولة الرعاية” التي ترعى مصالح مواطنيها ، وتدافع عن حقوقهم ، لا في إقليمها فقط، بل أينما يكونون ، عن طريق سفاراتها وقنصلياتها.

بقلم: عمر دغوغي

[email protected]

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.