Modern technology gives us many things.

هل يَينع “الربيع العربي” بصحراء السعودية؟

0

وكتبت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقول إن كافة الممهدات لزحف “الربيع العربي” في المملكة العربية السعودية تبدو جلية للعيان، وتتمثل في أفعال القمع الواسعة النطاق التي تنفذها السلطات وتفشي الفساد والاعتقالات الجماعية للمواطنين وازدياد عدد السجناء السياسيين.

وتخشى الأسرة السعودية البقاء وحيدة في مواجهة المعارضة لدى حرمانها من دعم واشنطن. ولهذا فإنها تعمل في خدمة مصالح الولايات المتحدة دون أن تدرك بأن هذا بالذات يقربها من النهاية المحتومة.

إن النهج الذي تتبعه سلطات المملكة في الشرق الأوسط يمكن أن يحمل إليها مفاجآت شنيعة. إن “الربيع العربي” يدق فعلا بشدة على أبواب المملكة.

وكانت الأسرة الحاكمة تأمل في أن يقود القضاء على النظام في سورية إلى هزيمة إيران، وعندئذ يمكن أن تصبح المملكة العربية السعودية دولة إقليمية كبرى. لكن هذا الهدف بعيد المنال. إن إدارة باراك أوباما تنأى بنفسها عن السعوديين. والزمن يمارس لعبته ضد البيت السعودي.

إن موقف واشنطن المتحفظ الحالي من المملكة العربية السعودية له دلالة بالغة جدا. والولايات المتحدة لن تدافع عن الرياض في حالة اندلاع حركات احتجاج جماعية فيها لأن فكرة “دمقرطة” الشرق الأوسط قد ترسخت بثبات في رؤوس الاستراتيجيين الأمريكيين. وفي الفترة الأخيرة كثر الحديث عن الخرائط الأمريكية لإعادة ترسيم الحدود في الشرق الأوسط. وإذا ما وجدت خلافات في الرأي بهذا الصدد فإن جميع “صانعي الخرائط” الأنجلوسكونيين يتفقون فيما يخص المملكة العربية السعودية بأنه يجب ألا تبقى المملكة موحدة.

وفي مقالة بعنوان “حدود على الرمال” نشرت في مجلة ” فانيتي فير” الأمريكية أعطى الدبلوماسي دينيس روس الذي عمل في الشرق الأوسط والمؤرخ دافيد فرومكين والباحثان السياسيان كينيث بولاك ودانييل بايمان رؤيتهم لمستقبل الشرق الأوسط. ودعا الجميع إلى وجوب تقسيم العراق والمملكة العربية السعودية حتما. وقد تم تقسيم العراق فعلا ، بينما تنتظر المملكة العربية السعودية دورها للتقسيم. واقترح الأمريكيان مايكل ديفي ورالف بيترس في مقالتيهما ” العلميتين” تقسيم المملكة العربية السعودية الى عدة دويلات. وبرأي ديفي فأن هذا يتيح ” القضاء على الوهابية والتطرف الإسلامي”. إن تقسيم المملكة العربية السعودية” سيحطم احتكار المملكة العربية السعودية لتصدير ارساليات النفط” – ويركز مايكل ديفي الانتباه على هذا بالذات. ولابد من الإصغاء إلى ملاحظاته.

وقعت حكومتا الصين والمملكة العربية السعودية منذ يناير / كانون الثاني عام 2006 اتفاقية التعاون في قطاع النفط والغاز، وبنتيجة ذلك أصبحت المملكة العربية السعودية الشريك التجاري الرئيسي للصين في الشرق الاوسط وشمال افريقيا. وفي أواخر آذار/مارس من العام نفسه اتفقت الصين والمملكة العربية السعودية على بناء مصنع ضخم لتكرير النفط في ميناء ينبع الواقع على ساحل البحر الأحمر. ويخطط للبدء بتشغيله في عام 2014. وتستورد الصين من المملكة العربية السعودية كميات من النفط أكثر مما تستورده الولايات المتحدة منها. والآن تشغل منطقة الشرق الاوسط المرتبة الخامسة فقط في كشف البلدان والمناطق التي تزود الولايات المتحدة بالنفط. ففي خلال العقد الاخير ازدادت ارسالياته الى الولايات المتحدة من فنزويلا وكندا وبلدان غرب افريقيا وكذلك نيجيريا والمكسيك. علاوة على ذلك بدأ في الولايات المتحدة العمل على قدم وساق في استثمار مكامن النفط في البلاد سعيا الى تقليل التبعية إلى البلدان المصدرة للنفط. ويصدر النفط من الخليج العربي الآن بصورة رئيسية الى الصين وأوروبا. ومن الطبيعي ان يتيح تقسيم المملكة العربية السعودية الى فرض سيطرة الولايات المتحدة بشكل أفضل على منافسيها الاستراتيجيين.

وثمة جانب هام آخر. فبما أن الصين اصبحت الشريك التجاري الرئيسي للمملكة العربية السعودية يطرح السؤال التالي: هل ستواصل الرياض بيع نفطها بالدولارات الامريكية ، وهل ستتحول لدى التعامل في حساباتها إلى استخدام اليوان أو اليورو ؟ إن من شأن مثل هذه الخطوة أن تشكل كارثة بالنسبة الى اقتصاد الولايات المتحدة.وكانت المملكة العربية السعودية قد وقعت في عام 1973 اتفاقية مع واشنطن حول بيع نفطها بالدولارات الأمريكية مقابل حمايتها من البلدان المجاورة وشراء الأسلحة الأمريكية. وحذت بلدان أخرى حذو المملكة العربية السعودية ، وفي عام 1975 وافقت جميع بلدان اوبك على بيع نفطها بالدولارات الامريكية.

إن منظومة الدولارات النفطية التي تشكلت في أعوام السبعينيات من القرن العشرين قد ولدت على الفور اقبالا مصطنعا على اقتناء الدولار الأمريكي في العالم بأسره.ولدى ازدياد استهلاك النفط يزداد الاقبال على الدولار الامريكي.وكانت سيول الدولارات الامريكية تتدفق عبر منظومة الاحتياط الفيدرالية الأمريكية وولدت الطلب الدولي على الدولار.وفي الوقت نفسه كان الامريكيون يحصلون على النفط من جميع انحاء العالم مجانا عمليا( اذ كانت منظومة الاحتياط الفيدرالية، مثل “صاحب دكان “، تطبع الأوراق النقدية غير المدعومة بأي شيء وبأية كميات تحتاج إليها). والآن إذا رغب السعوديون في بيع النفط بعملة أخرى غير الدولارات ، فيمكن أن يقتدي بها الكثيرون. وليس عسيرا التكهن بأن الامريكيين سيقدمون على اية خطوات بغية الحؤول دون “فك” ارتباط النفط بالدولار.

إن التغطية الاعلامية لتوجيه الأمريكيين ضربتهم إلى المملكة العربية السعودية جاهزة عمليا. فقد أعلن اثنان من اعضاء مجلس الشيوخ الامريكي سابقا في المحكمة تحت القسم في نيويورك في آذار/مارس عام 2012 عن احتمال تورط سلطات المملكة العربية السعودية في العمليات الإرهابية في 11 سبتمبر/ايلول عام 2001 . وترتبط إفادات عضوي مجلس الشيوخ الامريكي السابقين بالدعوى التي أقامتها عوائل ضحايا العمليات الغرهابية المذكورة منذ عام 2002 . وقد اقيمت الدعوى ضد حكومة المملكة العربية السعودية.

ويمكن أن تقدم قطر المساعدة غلى الامريكيين في اضعاف دور المملكة العربية السعودية في الشرق الاوسط. علما انها اظهرت نشاطها في الاطاحة بمعمر القذافي والآن تبذل جهودا جبارة في اسقاط بشار الأسد. وظهرت في المواقع العربية على شبكة الانترنت انباء حول وجود تسجيلات بالفيديو يتحدث فيها حمد بن خليفة أمير قطر عن الاسرة الحاكمة السعودية بعبارات مسيئة للغاية. ومن المحتمل تماما ان يكون الخبر زائفا او تضليلا اعلاميا من قبل احدى الجهات المعنية، لكن لا يماري أحد في أن قطر الغنية بالغاز الطبيعي كانت ولا تزال أحد ممولي حركات” الربيع العربي”.

وينبغي الآن متابعة تطورات الوضع السياسي في المملكة العربية السعودية باهتمام بالغ. وثمة إحساس بأن أحداث الفصل القادم من دراما ” الشرق الأوسط الكبير” ، التي يجب أن يتم فيها تغيير خارطة العالم لصالح الأنجلوسكونيين ، يمكن أن تجري في الرياض.

إن سياسة المملكة العربية السعودية التي لا تتسم بالحذر تقود إلى تقريب هذه النهاية.

ايغور ايغناتينكو (باحث سياسي. دكتوراه فلسفة في الاقتصاد).روسيا اليوم

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.