Take a fresh look at your lifestyle.

التهمة

0

 محمد البوبكري

تتعدد الاتهامات و تتلون المبادرات الشتمية و تتوزع أحكام القيمة في الشارع العام يوما بعد يوم و من يدري ما كذبة العام المقبل ؟ حتى تظهر رؤوس الأقلام و حوافر الأقدام، و كل ذلك دون برهان و لا حتى استقسام و تتسوغ للمستمع و يبتلعها دون استعلام، و ما الحقيقة إلا ضد الخيال و معيار الرضا و جهل بمصدر التلقي و منبع التقويم و مصدر الهداية و الإرشاد، و ما ذلك إلا نتاج لفقدان الوعي بشدة الوعيد الإلهي للرمي و القذف و السخرية و الشتم و التشهير و حب شيوع الفاحشة في المؤمنين، كل هذا نتطرق له بحول الله تعالى في هذا المقال موضحين مقاصد النهي عن الاتهام و أثره في المجتمع، إضافة إلى بيان المنظور الإسلامي لمعالجة هذه الظاهرة المستفحلة ؟

لكم فرقت تهمة من المجتمعات كم شتتت من الأسر كانت تعيش كل أنواع الرحمات كم تسببت في أزمات اجتماعية و اقتصادية و نفسية كل ذلك بسبب تهمة ألقيت بغرض الضحك و التنكيت فكانت بعد ذلك دافعا وراء انتقام موهوم و ادعاء مزعوم، هل يرجع الأمر لقابلية أسرنا لأبسط أنواع الرياح ؟ بل لأوهن نسيم؟

لقد كانت مجرد التهمة البسيطة قادرة على إقامة أكبر الحروب تاريخيا في القديم و الحديث و ما العراق عنا ببعيد و ما خلفه إلى اليوم ذلك الاتهام الباطل من أوجاع ما زلنا نتجرع مرارتها إلى اليوم جراء تهمة السلاح النووي، ومع كامل الأسف لقد صدق المسلمون

لقد قامت التهمة في تاريخنا بما عجز الرجال عنه، لقد ألفت بين قلوب طال شقاقها رغم أنها ما كانت سوى تهمة في ثوب كذبة ، لقد أعطت المبررات التي يمكن تخدير الشعوب بها من أجل السكوت و الاستسلام و الخنوع و الخضوع بدون دليل و لا سابق إعلام.

إن تهيب التاريخ و جعله فوق الغربلة و التمحيص و اتهمنا الخصم بالمؤامرة و المكر الهدام ثم أصبح الصقيع ريحا جافة في سماء العداوة فبقي لنا التيه في دنيا التضارب و متاهة الاستهتار. فما التوجيه الرباني لعلاج هذا الداء العضال الذي أسال لعاب الضباع و أزهق أرواحا لها في التاريخ شأن و باع ؟

إن الشرع الحكيم قد عالج الموضوع و قدر له قدره العظيم في انفكاك روابط الأسرة و المجتمع، فواجه التهمة بترسانة قوية من الضوابط و الأدوية الشافية من خلال تشخيصه لحقيقة الداء و إتباعه بالمعالجة و الدواء : 

قال تعالى :”إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم”

فهذه الآية شخصت كيفية تلقي التهم التي لا تتم معالجتها من طرف المتلقي و إنما يتم إرسالها و إشاعتها بمجرد وصولها إلى اللسان و هذه طامة لوحدها.

قال تعالى : ” إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله و أولئك هم الكاذبون “النحل 105، فبينت هذه الآية الكريمة مصدر التهم و منتجوها و هم الكاذبون، و غيرها من الآيات القرآنية التي تشخص منبع التهم و النوعية المستهلكة لها و المدمنة عليها.

بعد بيان و تشخيص كيفية انتشار التهم و استهلاكها نورد الآيات القرآنية المعالجة لهذا المشكل الاجتماعي، و هي:

قوله تعالى:” يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن “الحجرات الآية 12. فنلاحظ أن نفس لفظ التحريم الذي استعمل في تحريم الخمر و القمار( فاجتنبوه) هو نفسه المستخدم هنا (اجتنبوا).

قوله تعالى أيضا في نفس السورة :” يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين” الآية 6 . فبينت الآية الكريمة مآل اتباع الاتهامات الموجهة ضد الناس عن غير بينة و هذا المآل هو حتما الندم.

 و غيرها من الأدلة الواضحة و التي لا يتسع المقام لسردها و منها الآيات المحرمة للقذف و إشاعة الفاحشة في أوساط المؤمنين.

هذا و قد وجه الشرع الإسلامي الحكيم الناس عموما إلى منهج التعامل مع التهم من خلال استصحاب براءة المتهم أصالة في قوله تعالى:”لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم”النور الآية 16 ؛ ثم إعطاء الفرصة للمتهم للدفاع عن نفسه من خلال سورة يوسف حيث أعطيت له الفرصة من أجل رد تهمة امرأة العزيز حيث قال تعالى:” قال هي راودتني عن نفسي”سورة يوسف الآية 26 .

إن لعن الله تعالى لليهود حيث اتهموا مريم عليها السلام بالزنى_ و حاشاها من ذلك_  لهو أكبر دليل على تقدير المتهم و إفساح المجال واسعا أمامه من أجل إثبات براءته و لو كانت كل الأدلة المادية ضده فمريم عليها السلام كانت كل الأدلة المادية ضدها من عزوبية و إنجاب بدون زوج و وجود الولد و تبنيها له كلها مؤشرات على ما زعموا لكن الله تعالى عاتبهم و لعنهم ، مما يستفاد منه التريث و عدم الاستعجال في إصدار الأحكام الجزافية.

إن امتلاك منهجية نقدية تمر فيها التهمة عبر مخاض عسير من أجل التحقق من صحتها لهو سبيل المؤمنين خاصة و أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول” كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع”، و إن عدم الأخذ بمنهج السلف الصالح و هم يمتثلون وعيد الله تعالى لمن لا يتحقق من الكلام بجهنم حيث قال تعالى:” و لقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن و الإنس لهم قلوب لا يفقهون بها” الأعراف 179.

إن مجتمعنا بما هو مجتمع مسلم ليفتقر إلى منهج الإسلام في معالجة جل قضاياه ومشاكله التي تحولت كوارث تظهر من هنا وهناك فهذه شكلاطة وتلك مليكة امزان و ذاك عصيد والعصيدة لم تكتمل بعد. …

 

 

 

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.