Take a fresh look at your lifestyle.

العقل الأخلاقي: سفينة القرب

0

 *محمد غاني

من الصفات الأساسية التي ألبسها الحق سبحانه وتعالى حلة  للإنسان تكريما له وتفضيلا ، هو تميزه بركوب البحار رغم عدم كونه كائنا مائيا، و لم يتأت له ذلك إلا عبر استخدام سلطان العقل و من ثم اكتشاف السفن، يقول العلي القدير “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا” ، الإسراء 70.

 اكتشف الإنسان منذ القدم أن الخشب يطفو على الماء فاستخدم قطعا خشبية كبيرة من أجل عبور بحيرة صغيرة و مع مرور الوقت بدأ يطور صناعة مراكبه البحرية إلى أن أضحت سفنا شراعية في أول أمرها إلى بخارية إلى سفن حديثة ذات دفع نووي وقد ساهم في هذا التطور العديد من الحضارات ابتداء من المصريين القدامى الذين ابتكروا الأشرعة إلى العرب الذين زودوها بالأسطرلاب و البوصلة، ثم جاء الأمركان فبنى روبيرت فيلتون أول سفينة ذات دفع بخاري لأغراض تجارية ، مرورا بالبريطانيين و السويديين حيث سجلت سنة 1836 أول براءة اختراع باسم البريطاني فرانسيس بيتيت سميث و السويدي جون أريكسون بتطويرهما لمجاذيف دفع لولبية لقيادة القوارب البخارية ثم رجعت الراية للأمريكان بتطوير سفن ذات دفع نووي1.

نمر كمسلمين على آية التفضيل هاته المذكورة آنفا مرور الكرام مفتخرين بتفضيل الإله إيانا بحملنا على البر و البحر دون أن نبحر في معاني الآية التي كانت الإشارة الإلهية فيها بمثابة مجرد إقلاع عقلي روحي للمسلم من أجل خوض غمار التدبر القرآني، فإذا كان الأمر كذلك ، فيمكن أن نقول أنه إذا رجعنا إلى كتب التفسير فإنها تحيلنا على المعنى القريب المتبادر إلى الذهن وهو أن الله سبحانه و تعالى يخبر عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها كما قال ” لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ” [ التين 4 ] وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه وجعل له سمعا وبصرا وفؤادا يفقه بذلك كله وينتفع به ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية “وحملناهم في البر ” أي على الدواب من الأنعام والخيل والبغال وفي ” البحر أيضا على السفن الكبار والصغار “ورزقناهم من الطيبات ” أي من زروع وثمار ولحوم وألبان من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة2 .

يبقى التساؤل الكبير مطروحا فهل تميز الإنسان عن سائر المخلوقات فقط بركوبه الدواب البرية و البحرية المخلوقة منها و المصنوعة أم أن الأمر يتعداه إلى مغزى عميق نبهت له كل الديانات كأساس و هدف أسمى وهو “تلبس الأخلاق المحمدية ” مصداقا للحديث الشريف “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” لكن العقل الإسلامي تلهى عن هذا المغزى إلى قشور شعائرية ظانا أنها المراد الإلهي الأوحد من الخلق ، في حين كانت هي فقط الوسيلة و السفينة التي تحقق القرب منه سبحانه و تعالى لكن ليس إلا عبر استحضار الهدف الأعلى هو “تلبس الأخلاق المحمدية ” في فلسفتها العميقة المبنية على نسق أخلاقي قيمي يربط بين الوحي و الفطرة ، فالأخلاق منها ما هو مفطور فينا،  و منها ما استعان العقل فيه بنور النبوة لتتضح له الرؤية.

لن يستقيم حال البشرية إلا إن هي استنارت بنوري العقل والوحي ، راكبة سفينة “الشريعة”  أو ” العقل الأخلاقي ” كفلسفة عميقة و ليس كقشور شعائرية و بعقلية مرنة غير متحجرة،  من أجل التحقق بمرضاة الإله في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، و مرضاته لها أمارات وعلامات تتبدى للأمة الوسط حين تتحقق فعلا بوسطيتها التي أرادها الحق لها ، فلا هي تعيث في الأرض فسادا إن أذن الحق بعلوها على الأمم، و لا هي أمة قصعة3 تتداعى عليها الأكلة، لا يد لها و لا قوة في إبعاد الأكلة عنها.

*أكاديمي وباحث مغربي

 

الهوامش:

1، انظر تاريخ السفن و أنواعها ، محمد طارق، بتصرف.

2، انظر مثلا تفسير ابن كثير للآية.

3،مقتبس من الحديث النبوي الشريف :عَنْ ثَوْبَانَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : ” يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمْ ، كَمَا تَتَدَاعَى عَلَى الْقَصْعَةِ أَكَلَتُهَا ” ، قِيلَ : أَوَ مِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : ” لا ، بَلْ أَنْتُمْ أَكْثَرُ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ , وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ , وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ ” ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ , قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : ” حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الآخِرَةِ ” .

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.