Take a fresh look at your lifestyle.

عبادَ الرحمن…حِلما بشارلي إيبدو

0

*د محمد غاني

لا غرو أن سرعة الانفعال تؤدي في غالب الأحيان إلى قرارات لا رغبة في مقررها فيها، بل قد لا تفي تلك القرارات في الغالب بالأغراض التي توخاها صاحبها منها.

يرى الدكتور إدوارد كريجان المتخصص في علاج التوتر بمستشفى «مايوكلينيك» الأميركي إنه عندما يُصيب أي شخص شعور بالغضب أو الإحباط، فإنه يفعل أشياء قد تُجانب العقل والصواب، وقد يقول أشياء تؤذي من حوله. فتجده يتسرع في التفوه بكلمة ما، ولا يتردد في إرسال رسالة إلكترونية، أو تغريدة بانفعال ودون تريث. وما أن تهدأ أعصابه حتى يتمنى لو عاد به الزمن إلى الوراء ليغير كل ما صدر عنه.

ينصح هذا الطبيب الأمريكي كل شخص تنتابه لحظات انفعال قوية بأن يحسب من واحد إلى عشرة، أو إلى ألف إلى أن يشعر بأنه قد صار أهدأ، أو أن يستلقي أو ينام حتى تَفْتُر حدة انفعالاته. وحينما تبرد حرارة هذه الانفعالات ، سيجد نفسه أقدر على التفكير بشكل أوضح. ولذلك فإن الأنجح في التعامل مع عواطفه وانفعالاته القوية هو الذي يُفلح في تهدئة نفسه وتأجيل اتخاذ أي قرار إلى أن يتخلص من ضغط عواطفه، فالقرارات الرديئة تنتج غالباً عن التوتر والضغط1.

نبه الإسلام إلى خلق الحلم و دوره في دبلوماسية الحوار مع الآخر حتى تبقى علاقة الدين الحنيف بغيره من الحضارات دوما في رقي و علو روحي متسامي لا يمكن لغيره من المظاهر التراثية الدينية إلا أن ترضخ له في خضوع ماعدا من استكبر جحودا.

لا يمكننا في هذا المضمار أن نستحضر كل الأمثلة التاريخية المبرهنة على هذا الزعم ،

و يكفينا أن نستحضر من القرآن الكريم قوله تعالى ” وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً” 2، و بالرجوع لكتب التفاسير نجد أن المقصود بعباد الرحمان أحاسنهم أخلاقا و أفاضلهم عبادا ، و أما المراد ب”قالوا سلاما” فمعناه قولا يسلمون به من الإثم نظرا لحلمهم و سماحتهم3، ومن تريث و سامح و كان الحلم سمته، فلا يمكن أن تكون قراراته إلا علمية، دبلوماسية، صائبة ،حكيمة.

مثال قرآني آخر نجده لا يقل أهمية في الإشارة إلى هذا المعنى، و هو قوله تعالى في آي الذكر الحكيم ” وقد نزّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيره” 4، فأين المسلمون اليوم من فهم هاته المقاصد القرآنية العميقة التي تدعو المسلم أن لا يتعدى رد فعله بمن استهزأ بآيات الله درجة الإعراض عنه و عدم الرد عليه، و ما الحكمة من ذلك إلا إظهار السمو الأخلاقي للإسلام عند مقارنته بباقي الحضارات و المظاهر التراثية الدينية.

ترى الباحثة ألفة يوسف أنه  من المعروف في التّعامل بين البشر أنّ الإنسان إذ يستهزئ بآخر ويستفزّه إنّما يسعى أساسا إلى أن يردّ المستفَزّ الفعل فيغضب ويرغي ويزبد، ويكون ذلك هدف الاستهزاء. فإذا ما اكتفى المستفَزّ بالإعراض عن السّاخر فسيكفّ هذا الأخير عن سخريته لأنّها لن تجدي نفعا، ولأنّه سيكون كالشّخص الّذي يتكلّم وحده فلا يجيبه إلاّ الصّدى. والاستماع إلى الصّدى مرّة ومرّتين وثلاثة يؤدّي في النّهاية إلى سكوت المتكلّم الّذي لا يجد ردّ فعل. ومن هنا نفهم الحكمة العميقة الّتي تحملها الآية القرآنيّة والّتي حاد عنها بعض المسلمين اليوم.5.

ثبت سيد الخلق هاته الفلسفة في عقول الصحابة عندما كان مخالفوه ينعتونه بكلمة “مذمم” نقيض الكلمة الدالة على اسمه و صفته “محمد”  فلا يغضب صلى الله عليه و سلم بل

 و يحاول أن يصرف غضب الصحابة لغيرتهم على رسولهم فيذكر لهم أنهم إنما يسبون مذمما و هو محمد، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وآله وسلم -: «أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؛ يَشْتِمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا وَأَنَا مُحَمَّدٌ».6.

ورث الصالحون من الأمة ممن فهموا مقاصد الإسلام هذا المعنى فلم يتسرعوا أبدا في العداوة المجانية مع حضارات أخرى و إن سبوا مقدساتهم لجهلهم بمقامها و مكانتها الحقيقية التي ينبغي أن تعطى لها، فهذا الإمام الشافعي يبدع شعرا رائعا في هذا السياق:

يُخَاطِبني السَّفيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ…فأكرهُ أن أكونَ له مجيبا
يزيـدُ سفـاهة ً فأزيدُ حـلماً…كعودٍ زادهُ الإحراقُ طـيبا

يا ليت أمة الإسلام، بكل مكوناتها و جميع أطيافها ومختلف مذاهبها تسبح في بحر معاني الإسلام العميقة ، و تتنزه في حدائق فلسفته الراقية ، و تتدبر في كنه مقاصده الحكيمة ، فتتجاوز الظواهر إلى البواطن، و تنتقل من المبنى إلى المغزى، و لن تجني من ذلك إلا احتراما من الآخر حتى و إن أظهر غير ذلك، فكم من عنيد لم يستسلم في حواره لمحاوره، لكنه على الأقل نال منه احتراما و تقديرا داخليا و إن لم يفصح عنه، لكن وبمرور الوقت والزمن عندما تختفي الإيديولوجيات المحركة له ، يبدأ في دراسة متأنية لهذا الإسلام النبيل في مقاصده،  فيكون ذلك دافعا لإسلامه في مستقبل قريب، و ما مختلف قصص إسلام العديد من المستشرقين الذين كانوا قبل تاريخ غير بعيد من أشد المعادين لهذا الدين الحنيف، إلا خير دليل على ما نقول.

*أكاديمي و باحث مغربي

الهوامش

1، انظر جريدة الاتحاد الاماراتية ، الانفعالات القوية تجعل الدماغ أصغر حجماً وأقل نشاطاً عدد الاثنين 3 شتنبر 2012، بتصرف.

2، الفرقان، 63.

3، انظر مثلا تفسير البغوي للآية.

4، النساء، 140.

5، ألفة يوسف، حتى يخوضوا في حديث غيره، موقع ثقافات الالكتروني.

6، أخرجه البخاري.

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.