Take a fresh look at your lifestyle.

خطرات قطرة مداد

0

*د محمد غاني

تمددت قطرة المداد بفعل سحري لقلم بين أنامل الكاتب سوهاشي ياماوكا يحركه كيف يشاء على الصفحة الأولى من الكتاب الذي قرر تـأليفه، سبحان الله …تقول القطرة و هي تتأمل نفسها كيف أنها أصبحت بفعل القلم وعن طريق تلقيحها بقطرة مداد أخرى إلى قطرات كونت مع مرور الزمن النسبي القصير كلمة… فكلمات.. فجمل… ثم فقرات.

“ولم أكن أتصور البتة.. تضيف القطرة: أن كل هذا الكم الهائل من صفحات هذا الكتاب الذي لا يزال قيد التأليف خرج من صلبي، وقد يقرر كاتبه جعله في مجلد واحد أو مجلدين أو حتى عشر مجلدات كما هو الحال مع رواية «توكو غاوا إياسو» للكاتب الياباني سوهاشي ياماوكا التي نشرت بين عامي 1950 و 1967 على شكل سلسلة في إحدى الجرائد اليومية في اليابان، وبعد الانتهاء من نشرها جمعت الرواية في 40 مجلدا يبلغ عدد كلماتها باليابانية 10 ملايين حرف، وإذا ترجمت إلى اللغة الإنكليزية ستكون على الأرجح أطول من ذلك بكثيرـ1ـ، أو كما هو الحال مع الرواية الفرنسية الشهيرة «البحث عن الزمن الضائع» للأديب الفرنسي مارسيل بروست، وهي الرواية التي وضعت صاحبها في مصاف الأدباء العالميين، وقد نشر بروست روايته بين عامي 1913 و1927 في 7 مجلدات يبلغ مجموع صفحاتها 3200 صفحة، وضمت مليونا ونصف المليون كلمة وهي الرواية التي دخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسية وفقا لعدد حروفها التي وصلت إلى ما يقرب 10 ملايين حرف في اللغة الفرنسية ـ2ـ.

قد يتساءل القارئ من استنطاق قطرة المداد هاته : كيف يمكن لنقطة مداد أن تتكلم ؟ أو قد يزعم أن هذا مجرد تخيل أدبي ليس إلا؟ لنلق نظرة على الموضوع من زاوية أخرى و من لون مدادي آخر، و ليكن الحبر هاته المرة مكونا من نطفة من مني تمنى ـ3ـ  خرجت الى صفحات هذا الوجود بقلم القدرة الذي يقلبه الحق كيف يشاء فيؤلف به كتاب الكون تأليفا، هنا يمكن للقارئ الذي تعجب آنفا من نطق قطرة المداد أن يجد نفسه عين قطرة المني قد أصبح لها عينان و لسانا و شفتين وهي تقرأ هذا المقال و تتعجب من أختها قطرة المداد.

يقول الحق مسطر صفحات الكون بالحق ”  ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم ، ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير” و إذا رجعنا الى كتب التفسير نجدها  تشرح كلمة المداد في هذا السياق بكونها علم الله و عجائبه و قدرته و خلقه.

هكذا يمكن أن نجمل كلمات الحق التي لا تنفذ في مستويين:

1ـ الفهم المتجدد لآيات الله القرآنية.

2ـ توسع آيات الله الكونية اللامتناهي.

كلما تدبر المسلم كتاب الله عند تلاوته له، كلما ترقى في فهمه للقرآن الكريم خصوصا ان استعان بالمناهج الحديثة التي تطورت بشكل كبير في فهم الخطاب بشكل عام، فبالاحرى أن تسهم في فهم الخطاب الشرعي كالنظريات اللسانية الحديثة و كالمنهج السياقي ببعديه الداخلي والخارجي لأن ذلك يساهم بشكل كبير في استحضار جميع العناصر المكونة للنص الشرعي كالصورة و الحوار والقصة، و تفكيكها ثم وضعها في سياقاتها الصحيحة وبالتالي كلما ازداد المسلم علما كلما ارتقى وصعد في سمو فهمه وفي علياء خزائن معانيه.

لا غرو كذلك أن هذا الخلق اللا متناهي في أرجاء الكون الذي لا يزداد الا اتساعا إنما هو امتدادات لصفحات كتاب الكون الذي وعدنا الحق أنه حينما سياتي أجل نهاية تأليفه له سيطويه طيا حيث يقول في كتابه القرآني معبرا عن كتابه الكوني “يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب” منبها بما لا يدع مجالا للشك لكل متدبر بتلميح واضح للكتابين معا : كتاب القرآن الكريم المتضمن لآيات الحق القرآنية و كتاب الكون المحتوي على آيات الحق الكونية.

ولا سبيل للتوجه لفاطر السموات و الأرض من أجل  معرفته حق معرفته إلا بذكره عبر القناتين:

1ـ قناة ذكره عبر التفكر في كتابه القرآني؛

2ـ قناة ذكره عبر التأمل في كتابه الكوني؛

وبذلك يدخل المسلم في الترقي في درجات الولاية التي أخبر عنها الله عز وجل بقوله إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النارـ 4 ـ حيث جمع في صفات أوليائه من أولي الألباب بين صفتي الذكر والفكر اللتين بهما نالوا درجات القرب وحظوات الاصطفاء ومنازل إدراكات العقل ويقينيات القلب وشهوديات الروح.

*أكاديمي و باحث مغربي

مراجع:

1ـ انظر الروايات الأطول في التاريخ، محمد حنفي، جريدة القبس، الكويت، 07/03/2013 

2ـ نفسه.

3ـ يقول تعالى في سورة القيامة آية 37،38،39 “ألم يك نطفة من مني يمن ، ثم كان علقة فخلق فسوى، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى”.

4ـ آل عمران 190،191.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.