أيوب الوزاني
لمهنتي الطب والتمريض شأنهما شأن باقي المهن أسرار وبواطن أمور، وبصفتي واحدا من الممارسين ممن يرون ما آلت إليه أوضاع الصحة على يد الكثير من الوزراء،” إلا من رحم ربي ” أصررت إلحاحا على كتابة ما يلي:
مخطئ من يظن أن بناء الكثير من المستشفيات وتجهيزها هو الحل الأمثل لتقديم إسعافات صحية تليق بالمواطن المغربي فالحل الأوحد و الأهم هو بناء الطبيب الإنسان والإنسان الطبيب وكذا بناء الإنسان الممرض والممرض الإنسان . دون إغفال الجانب القانوني المنظم للمهنتين معا.
غير أن الملاحظ هو انهيار المبادئ والقيم وتحول حياتنا إلى ماديات بغيضة و مقيتة واعتماد قوانين رجعية تكرس التبعية، لكن أن يطال هذا الانهيار مهنة شريفة وسامية خاصة وأن الأمر يتعلق بحياة الإنسان وصحته فهذه الطامة الكبرى.
فلنجاح أي مهنة كيفما كانت لابد لها من ثلاثة ضلوع.
أولا :الأخلاق “الضمير” هو الدافع الذي يحث الممارس( ممرضا كان أو طبيبا ) لنجدة مريض دون تراخ و دون تفرقة بين غني و فقير.
الذي لايجب أن يتوقف المزاول عن إدراكه و توسيع دائرة معارفه le savoirـ ثانيا : العلم
ثالثا:الخبرة والقانون العنصران الهامين اللذان يعطيان للممارس المهارة والثقة في النفس .
وتكامل هذه العناصر ضروري،فالأخلاق مهمة لكنها بدون علم تبقى غير كافية والعلم بدون خبرة هو مجرد نظريات قد لا تؤدي للنتائج المطلوبة، والخبرة وحدها بدون علم هي نوع من الهرطقات الطبية عرا عليها الزمن.
يعلم الكل علم اليقين أن أي تدخل جراحي يسهر عليه طبيب جراح ..فالسؤال الأول الذي يتبادر لذهن زوار المريض خلال فترة الاستشفاء “شكون الطبيب اللي فتح لك. و التخدير أو” البنج”هو جزء لا يتجزأ من هذا التدخل الجراحي حيث يعمد المبنج لإفقاد المريض الإحساس و الحركة لتفادي آلام العملية وما بعد العملية وتسهيل الجراحة .فهل سألت أو تساءلت يوما عن الواقف وراء هذه العملية” أقصد التخذير”.
من هذا التعريف المقتضب للمتدخلين الرئيسين في العملية الجراحية يثار تساؤل من الواقف وراء عملية التخذير ؟ وعن هويته القانونية ؟؟
الجواب و بكل بساطة هو ان القطاع الصحي ورث تركة الإدارة العسكرية التي كانت تتولى مهام تدبير هذا القطاع إبان الاستعمار : حيث كانت الوصفات عبارة عن أوامر و التوجيهات عبارة عن تعليمات, في إطار معاملات أساسها مبني على علاقة الآمر بالمأمور و في غياب صريح للمفهوم الجديد للعمل الطبي الجماعي و التكاملي الذي يجب أن يطبع العلاقات داخل الفرقة العلاجية من أجل تحقيق غاية وحيدة و واحدة هي الحفاظ على صحة المريض و السهر على راحته بعيدا عن قيود التبعية وهو الشيء المفتقد و الغائب في تدبير قطاع الصحة من طرف “وزارة الأطباء “.
خلف أبواب المركبات الجراحية الموصدة تختلط الأمور ويلبس الكل “كمامة”la bavette ” يداري بها وجهه حتى لا يًكشف للمريض فعكس كل ما هو قانوني ومتعارف عليه في جميع المراجع العلمية و القانونية عن كون عملية التخدير اختصاص طبي صرف, يتحمل اثارها و نتائجها و مسؤوليتها الطبيب المخذر, و يساعده فيها ممرض التخذير الذي يتولى تأمين معدات البنج و تحضير الحقن و مراقبة المقاييس الحيوية للمريض مع ضمان تخذير عميق لتمر العملية في أحسن الظروف .
لكن الغير المعروف عند عموم الناس أن ممرضي التخذيروالإنعاش من يتولون مهمة البنج من ألفها ليائها و ينوبون عن الأطباء و يخلفونهم في ذلك خارج القانون نظرا للخصاص الذي يعرفه هذا التخصص الحيوي في فئة الأطباء.
لا أظن أن البروفيسور الوردي يجهل كل هذا وهو الذي لا يتوالى في مباغتة مستشفيات عمومية شمالا و جنوبا، فكيف يفوته مثل هذا الخرق… ثم لما يتم فتح مناصب لممرضي التخديروالإنعاش في غياب طبيب في مستشفيات نائية ومعزولة ؟ و ما الغاية من تواجدهم بذات المرافق الصحية في ظل صدور قانون مهنة التمريض43.13 خاصة المادة 6 إلا إذا كان الغرض من ذلك الزج بهم في زنازين إنفرادية بسجون مغربنا العزيز.
أمام هذا الوضع أو العمل الذي هو إنساني بالأساس والمتمثل في إنقاذ روح وإعطاء حياة جديدة …يجد مختص التخذير نفسه بين مطرقة القانون الذي توصي بنوده على ضرورة إشراف طبيب على عملية التخدير وسندان الحالة المستعجلة والتي قد تسلم روحها إذا ما تأخر التدخل الجراحي..وعليه نكون امام خيارين إثنين …
الخيار الأول رفض التدخل في غياب طبيب التخذير, وفق ما تمليه كل التوصيات العلمية و المادة6 من قانون التمريض المغربي هذا الرفض يجعل”المبنج” متابعا جنائيا تحت طائلة” الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة ” المنصوص عليها في الفصل 431 من القانون الجنائي.
أما الخيار الثاني فهو الموافقة على التدخل رغم غياب الطبيب. و هنا يكون امام احتمالين : أولهما, إذا أصاب و أفلح في تدخله فقد كفاه الله شر القتال. أما إذا أخفق و أخطأ و نتج عن ذلك ضرر لحق المريض و ثبتت العلاقة السببية بين الخطأ المرتكب و الضرر الحاصل تثار مسؤوليته المدنية في هذه الواقعة (حسب المادة 77 و 78 من قانون الالتزامات و العقود). لكن الأخطر من كل هذا وفاة المريض, وهو أمر وارد حدوثه بقوة و ليس بالبعيد أو غير المتوقع في عالم الجراحة و البنج و الإنعاش. انذاك تقوم المسؤولية الجنائية للمخطئ تحت طائلة القتل الخطأ أو القتل غير العمدي المنصوص عليها و على عقوبتها في الفصل 432 من القانون الجنائي ,ليجد “البناج” نفسه وراء القضبان لمدة أدناها 3 أشهر و أقصاها 5 سنوات.
خائب من يظن أن محن ممرض التخذير و الإنعاش تنتهي عند هذا الحد, فهذا كله فقط يقع وراء أبواب المركبات الجراحية, لأن هذه المحن تتجاوز المركبات و القاعات الجراحية إلى باقي مصالح المستشفى : حيث يواجه هذا الكائن” مشاكل بالجملة نتيجة استدعائه من أجل تقديم خدمات علاجية في مختلف المصالح الاستشفائية : مصلحة إزالة الصدمات, مصلحة التوليد, مصلحة طب الأطفال وحديثي الولادة..ومواكبة الحالات الحرجة و المستعجلة على متن سيارات الإسعاف.
لكل ما سبق يؤسفني سيدي الوزير أن أبلغكم ببالغ الحزن و الأسى أننا سنعمل على تطبيق قانون التمريض “الجديد القديم ” بحذافره و لن تتم أية عملية جراجية في غياب طبيب مختص و إشرافه المباشر وعليه و إلى حين مراجعة و تصحيح هذا القانون اعترافا بالثقل الجبار الذي يتحمله ممرضو التخذير والإنعاش فأنتم مطالبون بتوفير طبيب تخذير بكل مشفى عمومي أطراف الليل و أناء النهار أو إعادة النظر في هذا القانون الذي يشوبه مجموعة من النواقص ,,,والسلام
*مختص في التخذير و الإنعاش