أحمد الجـلالي
أنا المواطن العادي جدا، الدرويش جدا، غير المثقف جدا، غير الواعي بما يكفي، غير “القافز” ما يلزم للوصول إلى هناك…أنا المغربي البسيط الذي بالكاد أقرأ عناوين الصحف، بشق الأنفس أفهم معنى الإحصاء..أو صعود “ماديكس” ونزل “مازي”…أنا المواطن الحاس بالدقة في جيبي وبطني ومسكني…إليكم ما يهمني وما لا يعنيني أبدا في كل هذا الذي أقرأ وأرى وأسمعهم يقولون:
“وزير تزوج وزيرة، وزيرة سوف تتزوج وزيرة”..كل يوم زواج وطلاق اين الإشكال؟ وهي امرأة وهو رجل..ويستطيعان الباءة فما المانع؟
يقولون إن في الأمر تعددا للزيجات..وهذا يضحكني كثيرا..مذ جئنا لدنيا المغرب ونحن نسمع عن الضرة والزوجة الثانية والثالثة…وحتى لما ضوختني المدونة المعلومة رأيت أن معظم الذكور “يعددون” في الصاحبات والعشيقات…المغربي ملول وهو مصر على التعدد سواء في إطار نكاح شرعي أو عبر “جماع شعري”…
يهمني ماذا أعددتم من فرص حياة لعشرات آلاف الشابات والشبان ممن يريدون إحصان الفرج وتأسيس بيت وإنجاب أطفال: أين عملهم وتكوينهم اللائق وأين السكن؟؟
“وزير لم استطع يوما حفظ اسمه الكامل له بيت نعاس في مقر وزارته، ثمنه مئات الملايين ام فقط بضعة ملايين من السنتيمات..وشباط يتبورد في القضية”.
أن يكون له غرفة استراحة أو دوش أو بانيو عامر بالما سخون..لا يهمني في شيء، ولا عجب أن يكون لوزير أو مسؤول أين “يتحمحم” أليست النظافة من الإيمان؟ ثم لم نستكثر على مسؤول حكومي هذا النوع من المتعة والفسجة بالمكان وكل الوزراء يقطنون فيلات تساوي الملايير؟؟
يهمني أن يكون بإمكاني اقتناء سكن اجتماعي اقتصادي فيه الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية..أما الريع والامتيازات حتى لو انتزعت انتزاعا من المسؤولين فسوف يأكل غلتها من هم أقوى منهم نفوذا….يهمني ألا يطلبوا مني “النوار” ويضعون أمام أمثالي شروط الجزيرة الخضراء كي أحصل على مدفن لي وأنا حي…
“أداء الميزان التجاري المغربي يتحسن وهاكم المؤشرات”..
هل إذا تحسن هذا المؤشر سينزل سعر الخبز والخضار والسمك وفاتورة الماء والكهرباء؟
هل إذا تحسن المؤشر سينخفض ثمن الدواء إلى النصف أو أكثر فأداوي عللي وأخفف آلامي المزمنة والموروثة والمكتسبة؟ هل سيحصل هذا؟
هل إذا تحسنت كل المؤشرات التي نعرف والأخرى التي لم نسمع بها بعد، ستصبح مدارس أبنائي الحكومية “مدرسة المخزن كما يسمونها” صالحة لكي اطمئن على هذا النشء الضائع في “قلة لحيا” و”التشمكير” واللامبالاة واليأس الفطري؟
“تفكيك شبكات إجرامية خطيرة وإليكم التفاصيل”..
لا يهمني من ألقى القبض ولا كيف ولا أين….يهمني ألا يستفيد هؤلاء المجرمون من أي عفو وألا أجدهم بعد فترة قصيرة معربدين في الشوارع بسكاكينهم يتحكمون في الدروب والأزقة ويشيعون الإرهاب الحقيقي في نفوس الناس…
يهمني ألا تسير شابة بريئة في كل مدن المغرب وهي خائفة من شفرة حلاقة تفتح وجها فجأة قبل أن تسلبها عصابة مالها أو هاتفها أو تخطفها وتغتصبها وتقضي على حياتها…هذا هو الأمن الذي يهمني…
“عبد الكريم الأمراني: الإعلام المغربي كله تقريبا خاضع للأجهزة”
لا يهمني أن تقول هذا الآن، وقد صرت خارج المؤسسة الإعلامية التي كنت تقودها. كان سيهمني كلامك لو قلته وأنت في عز “ضد التيار”..آنذاك كنت سأقول: دبا اسمعني أبا لمراني..أما الآن فما يهمني فعلا هو أن تكتب مذكرات شخصية توثق لنا فيها نحن الجيل الذي جاء بعدك إلى هذه المهنة فتنير لنا الطريق ونصفق لشجاعتك,
“الحكومة سترفع الأجور..الخلفي: لا قرار بعد في هذه القضية”.
لا يهمني متى ولا كم ستزيدون في هذه الأجور..إن كانت هناك زيادة، وقد علمتنا الحياة أن الزيادة دائما من رؤوس الحمقى، وعموما فمسؤولونا ليسوا حمقى، وحتى إن تصرف بعضهم بحماقة فالاحمق منهم هو من صوت عليهم وأوصلهم إلى مناصبهم كي يمارسوا علينا حماقاتهم…
يهمني أن أعرف أين هي الوظيفة..فرصة العمل التي أعددتم لنا قبل أن تزيدوا فيها أو تنقصوا منها..أين الوظيفة العمومية التي يحرق من أجلها خريجو جامعاتنا أنفسهم يا سادة؟
“الليبيون اسعد من المغاربة حسب دراسة حديثة”.
لست منجما ولا يهمني كيف وصلوا إلى هذه النتيجة المقارنة لنسب سعادة سكان شمال أفريقيا ولا المعايير “العلمية الموضوعية” التي استندوا إليها…
يعنيني في المقام الأول والأخير هذه المؤشرات:
عندما ألقي نظرة على خطابات العقيد الراحل القذافي في “اليوتيوت” ألاحظ أن عدد الذين يضعون تحتها علامة “لايك” في تزايد ..معناه أن القوم في ندم متزايد على أيام العقيد وفي شوق لا شعوري إليها..
لا أحتاج إلى نتائج معهد كي أعرف نسبة فرح أو “كعيان” بني جلدتي المغاربة…نحن شعب عصي على التصنيف:
قد يكون “مضروبة فيه حتا للقلب” وحين تسأله يقول لك “بخير”.
قد يكون غنيا ميسورا ولكنه يقطب ما بين العينين حين يرى فقيرا أو قريبا جاء بنية الاقتراض منه فتحسب أن ابنه البكر قد توفي للتو.
قد يكون “مناضلا حقوقيا كبيرا” ولكن لا يجد غضاضة في أن يمارس ببيته وعلى زوجته عكس ما يدعو إليه نفاقا.
قد يكون ملتحيا زاهد المظهر مقبلا على المسجد و “فعل الخيرات” أمام الناس لكن “في خفا” تجده أكبر ديوت ابن عاهرة.
قد تكون امرأة حكمت عليها ظروفها أن تمتهن الدعارة …لكن في جوانحها أطيب وأرق وأصدق مخلوقة.
قد يكون رجل سلطة يتقمص العبوس والجفاء بحكم “طرف ديال الخبز” لكن في أعماقه يكمن أكبر مثقف وأكبر ديموقراطي.
قد يكون مثقفا “تقدميا” معاديا للنظام واللانظام ، نتيجة ظروف أيضا، لكن به من الاستعداد والجاهزية ليصير في أقرب فرصة أكبر مستبد وأكبر “مخزني”..فقط مسألة وقت.
هذا “ما يهمني وما لا يهمني من كثرة الهم والغم”..على وزن “ما يجوز وما لا يجوز في نحك العجوز”…
الحقيقة أن النكاح ما هو إلا كناية عن فعل…
الله يفعل بنا وبكم خيرا.