اخراز عبد المجيد
استقلت الطائرة المتوجهة من مطار مدريد إلى برلين، كنت العربي الوحيد بين جموع المسافرين الأجانب، كانت مدريد مكتظة وممتلئة بالحيوية والجمال، فالجو مشمس والخضرة في كل مكان، والناس هنا في استجمام ورياضة ولهو، فمدريد تكتم مآسيها وتعيش الحياة يوما بيوم رغم كل الألم الذي بات ينخر جسدها ألان، إنها غير عادية، فاتنة وشهوانية، تسحرك في أول نظرة، تواعدك، وعندما تلتقي بها تغرق في بحر عينها الغجرية وتذوب حتى لا يبقى فيك منها شيء غير الحب والجنون، آه من مدريد….آه، متاحف… و حدائق… كنوز و مأثر، لكنها ضاعت منا يا عرب.
أقلعت الطائرة وساد جو رهيب من الصمت، وتبادل النظرات الخاطفة وهي تبتعد عن اليابسة تعانق السحاب، وتودع الأجواء الاسبانية الحالمة، وتودع معها ميراث العرب وقصائد العرب وبساتين العرب، تخطى هذا الكائن الأسطوري العجيب كل هذه المسافات، وهو يحمل على جناحيه الممتدتان في السماء خليط من البشر جاءوا من بلدان بعيدة، وبثقافات ولغات مختلفة، جمعهم زمان واحد ومكان واحد، فكان الفضاء عبارة عن مكتبة متنقلة، فالكل هنا يقرأ كتابا، أو يتصفح مجلة، يفتح خريطة ويهندس إلا هذا الرجل العربي الذي أطلق بصره للغيم فنام حتى حطت الطائرة.
بدأ الركاب في الاستعداد للنزول وكأنه مشهد رائع من التحضر و الرقي، انصهرت فيه مختلف الجنسيات والعرقيات، ورسمت لوحة إنسانية تألق فيها الذوق والأدب، وطغى عليها جو من التسامح النابع من الإيمان بقيمة الإنسان رغم اختلاف اللون والأصل أو المعتقد، فكم هم ظرفاء وفرسان، وقادة كذلك حتى في فن الانتظار، فأنت إذن لا تسافر بجسدك فقط وإنما بدينك وسمعة وطنك ، وتحمل هوية وتاريخ إلى بلدان أخرى، فأنت في النهاية لحظة عبور نحو الأخر.
نزل الرجل العربي منبهرا، وقد تغيرت فيه أشياء وأشياء، لقد أدرك أن الأخر إنسان متميز وحي، يعيش كل ساعة، يسافر، يقرأ، يخترع، يصمت ثم يحاور، وعندما يحاور ينقلك إلى مساحات الضوء، فتدرك أن الأخر ليسا عدوا ولا جحيما، وإنما الطبيعة هي التي لا تقبل الفراغ، بينما يعيش العربي…. ليعيش… يبتلع دخان المقاهي الشعبية، يطبخ الكلمات المتقاطعة، ينقر عناوين الكتب والجرائد، يخاصم، يشتم، ويبيع الوهم ليشتري سيفا وقنبلة ثم ينفجر…..
كان الطقس باردا جدا في برلين، ومنظر الغيوم السوداء رهيب أيضا، فقد بدأت زخات المطر تتقاطر على جنبات الطرق وأخذت المحلات في غلق الأبواب بعد يوم كامل من العمل، والمدينة توشك أن تنام على إيقاع الثلوج، امتطيت سيارة أجرة، رحب السائق بي وسألني بلكنة تبدو اقرب إلى العربية، إلى أين سيدي؟ قلت باللهجة المغربية إلى الفندق، فهو لا يبعد عن المطار إلا دقائق قليلة، تلفت نحوي مستغربا وملامح الدهشة بادية على وجهه، فقال من أين أنت يا رجل؟ قلت له من المغرب، وأنت؟ فقال أنا من كردستان، أكيد ..أكيد.. فلامحك توحي بشكل واضح انك ربما فارسي أو عراقي…لهذا تقصدت إجابتك بلهجتي حتى أتحقق، فالوجه العربي مهما غربته السنين ولعب الزمن بسحنته، يبقى رغم كل المساحيق و الأقنعة وجها فريدا و مميزا بنقش تاريخي وبعلامة مسجلة، ابتسم وبادرني بالسؤال لكن الطريق لم يسعفه، فقد وصلنا أخيرا إلى الفندق، ودعته وسحبت حقيبتي وأنا انظر حولي فلا أجد غير الفراغ الممتد دون انقطاع، ومساحات شاسعة، وأسوارعالية، و ثكنة عسكرية قديمة تحرس ذكريات المدينة، لقد نامت برلين ولم يبقى في الجو غير كتلة من الغيوم القاتمة وهدير الطائرات التي لا تتوقف كأنها سرب حمام يغطي الأفق، فتحت الباب وأشعلت الأضواء، تحرك المصعد إلى الطابق الثاني….وبدأ الدم يتدفق في عروقي، و أصابتني نوبة غريبة من الخوف، فانا منذ زمن لا اطمئن للصعود في هذه الآلة المخيفة و أتصبب عرقا كلما فكرت في استعمالها، انفتح المصعد وخرجت مسرعا اجر حقيبتي..الحمد لله لقد وصلت… الحمد لله لقد نجوت… انه الخوف الذي يسكن العربي ولا يفارقه ويحرمه من لذة التجربة، انه الخوف الذي يولد فينا ونعيش فيه حتى يتحول إلى مارد يأكل خبزنا، يكتب أمسنا، يقمع حاضرنا ويسجنا في القفص كالعصافير ليل نهار.
تسللت أشعة الشمس إلى غرفتي بدون استئذان، وفتحت النوافذ و أيقظتني من نومي العميق، رتبت ملابسي وخرجت ابحث عن مقهى قريب لتناول وجبة الفطور، كان الطقس كعادته باردا قارسا لا يرحم ، حتى وان كنت ضيفا أو سائحا فبرلين لا ترحب بأحد، طلبت من النادل كوب قهوة وكأس ليمون وقليلا من الخبز محشو بالزبدة والمربى البلدي التركي، كان لذيذا وشهيا، كسب هذا المقهى سمعة طيبة، وله زبائن كثر من الألمان ويقصده الجميع لتناول الكابتشينو على الطريقة التركية، غير أن قصتي مع هذه المعشوقة الايطالية في هذا المقهى طويلة قد تبعث على الضحك والغرابة مما لا يتسع لسرد تفاصيلها بالجملة، كان صاحب المقهى يدقق في الوجوه ويغوص في تفاصيل الجسد، ويعد كل من دخل وخرج، يوزع الأدوار على الخدم، ويحرص على جودة الخدمة والسهر على راحة الناس، كان جاد ومسئولا أيضا، عندما يتلقى التحية يرد باقتضاب شديد ثم ينهمك في عالمه الخاص، لقد كان نموذجا للتركي الناجح في بلد ناجح، فالأتراك ليسوا فقط في التلفاز أو في صالونات عرض الأزياء، بل تجدهم في كل مكان في العالم كخلية نحل تعمل بجد وعرق لتحقيق الذات وقهر الواقع… ..تقدم النادل لأخذ الحساب بأدب واحترام جم وكأنه في حضرة ملك، لقد تعلم هؤلاء أن يلقنوا الناس دروسا في الأخلاق وفن الاتيكيت.
ركبت الحافلة ، لم اعد القي بالا للفحات البرد القارس، فقد بدأ جسمي يتأقلم تدريجيا مع الأجواء المناخية الجديدة، ويألف الوجوه والأماكن والطرقات، بدأت الثلج يغطي الحدائق والمباني و حتى المتاجر.. والحافلة تغرق في الشوارع وسط أبواق السيارات وتتيه في السحاب الكثيف، وتبدو برلين من بعيد كأنثى متمردة وعصرية، امرأة قادمة من تحت الأنقاض، تهزم الذاكرة، تصيبك بالرهبة فتحجم عن القدوم وتفكر أن تتراجع، هكذا هي برلين، ملكية في كل شيء، ومترامية الأطراف، تضيع في أزقتها فلا تعود، تغازلها فتتمنع، تحلم أن تتزوج بها فترفض، وعندما تسافر في ماضيها تتعلم أن المأساة مدرسة لها شعب عظيم … شعب قوي… وشعب حر لا يقهر.
يتبع………………………