Take a fresh look at your lifestyle.

تداعيات اتفاق الإطار النووي بين إيران والغرب

0

*المصطفى بوكرين

منذ انهيار المعسكر السوفياتي بداية التسعينات، حاولت جمهورية إيران الحصول على التقنية النووية وحددت لذلك عدة وسائل تماشيا مع توجهاتها الإستراتيجية، بدءا من عملية تخصيب اليورانيوم بتقنية الطرد المركزي من أجل إنتاج كميات كبيرة منه وبنسبة عالية من أجل تحقيق أهدافها المسطرة لذلك، وحاولت اقناع المنتظم الدولي بأن نشاطها النووي مقتصر على الاستخدام السلمي دون نية امتلاكها السلاح النووي، وعبرت عن تلك النية من خلال قبولها وساطة تركيا عبر التفاوض مع البرازيل من أجل مقايضة اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 5% مع اليورانيوم البرازيلي المخصب بنسبة 20%  ، لاستخدامها وقودا  لمفاعلاتها النووية من جهة وكسب ثقة الغرب من جهة أخرى بهدف اقناعه ببرنامجها السلمي وبالتالي رفع العقوبات المالية والاقتصادية المفروضة عليها من قبله .

والملاحظ أن هذا الاتفاق التفاوضي مع البرازيل عبر وساطة تركيا لقي معارضة قوية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية المتخوفة من مزاعم إيران النووية، الأمر الذي دفع إيران كرد فعل إلى استخدام أجهزة الطرد المركزي المتوافر لديها من أجل زيادة تخصيب اليورانيوم الإيراني و رفع حصته من 5% إلى نسبة 20 %  .

أمام هذا المعطى الواقعي الذي دفع إيران إلى تطوير برنامجها النووي وتزايد مخاوف الغرب من قدراتها على امتلاك السلاح النووي، والالتزام بحماية أمن إسرائيل من تهديديات إيران من قبل القادة الأمريكيين من جهة، والتحولات التي عرفتها الساحة السياسية الإيرانية بوصول الإصلاحيين إلى سدة الحكم  وأمام الضغوطات الداخلية المترتبة عن العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على إيران لأزيد من عقد من الزمن، وزيادة حدة المطالب الاجتماعية داخليا، واستمرار الحراك السياسي داخل إيران الذي أفرز تيارا سياسيا ينادي بتطبيع العلاقات مع الغرب من أجل الخروج من عزلة المنتظم الدولي وتجاوز الأزمة التي تعرض لها الاقتصاد الإيراني نتيجة ذلك من جهة أخرى، دفع القيادة الإيرانية الجديدة إلى التفكير بضرورة اللجوء إلى الحوار والتفاوض مع الغرب من أجل الخروج بحلول سلمية للملف النووي الإيراني يضمن حقوقها في امتلاك التقنية النووية سلميا، مع ضمانة إسقاط كافة القرارات الأممية التي فرضت عليها العقوبات الاقتصادية  والمالية، فجاء نتيجة ذلك اتفاق الإطار مع المجموعة السداسية 5+1 .

 

1 – أبرز معايير الاتفاق  :

بعد عدة سنوات من الخلاف والصراع  القائم بين الدول الكبرى برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية و جمهورية إيران  حول برنامجها النووي، تم التوصل بمدينة لوزان السويسرية  إلى اتفاق إطار اعتبر بمثابة مدخل لحل الأزمة بين الأطراف مستقبلا، ورأى البعض أن هذا الاتفاق اعتبر تطورا إيجابيا في مواقف الأطراف المعنية، لما له من تداعيات وتأثيرات على منطقة الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى إعادة ترتيب موازين القوى بين الأطراف السياسية داخل إيران وكذا إعادة النظر في سياستها الخارجية تجاه المحيط الدولي.

وقد تضمن الاتفاق عدة التزامات بين الأطراف الموقعة عليه (المجموعة السداسية وإيران ) كما تضمن حقوقا متبادلة :

هكذا وافقت حكومة إيران من خلال الاتفاق على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم وتخفيض مخزونها منه مع التخلص من نحو ثلث أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم وعدم إجراء أبحاث على أي وقود نووي محترق وتدمير قلب  مفاعل “أراك”  أو تصديره الذي كان يستعمل اليورانيوم الطبيعي بقدرة عالية دون الحاجة إلى التخصيب وهو صالح لإنتاج البلوتنيوم بكميات كافية لتصنيع السلاح النووي، وإخضاع منشأتها النووية للمراقبة والتفتيش من قبل المؤسسات الدولية المتخصصة .

في مقابل ذلك ضمن الاتفاق الأولي حقوقا لإيران بإلغاء كافة القرارات الأممية الصادرة في شأن الملف النووي، ورفع كافة العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها من قبل دول الغرب وضمان مصالح إيران بما يحمي سيادتها وعدم تبعيتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واشترطت عدم السماح بتفتيش منشأتها العسكرية أو إيقاف صناعتها العسكرية الدفاعية مع السماح لها بتطوير برنامجها النووي السلمي للاستعمال الطبي أو التكنولوجي أو الطاقي.

2 – تفاعلات المواقف  الإقليمية من الاتفاق :

لا تزال تفاعلات اتفاق الإطار بين إيران والمجموعة السداسية -5+1 – تلقي بظلالها على الأوضاع الإقليمية والدولية، وتخلف ردود أفعال متفاوتة سواء بين الأطراف المعنية به مباشرة أو دول المنطقة.

لذا يرى بعض المتتبعين أن هذا الاتفاق كان معروضا على إيران منذ  عشر سنوات إلا أن المزايدات السياسية داخل إيران أدت إلى رفضه، الأمر الذي تسبب بتضحية الشعب الإيراني ودفعه ثمنا باهظا من اقتصاده ومن معيشته نتيجة العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضت على البلاد، و تحمله تبعات ذلك.

فالبعض اعتبر الاتفاق انتصارا للدبلوماسية الإيرانية في صراعها مع الغرب بالسماح لها بتخصيب اليورانيوم على أراضيها وبالتالي انتصارا لطرحها في معالجة ملفها النووي وإن كانت العملية ستخضع للمراقبة الدولية وتحد من نشاطها النووي .

والبعض الآخر اعتبر الاتفاق تراجعا للدبلوماسية الإيرانية عن حقها في امتلاك الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مما سينعكس على مركزها الدولي كقوة ضاغطة، وعلى اختلال التوازن بين القوى السياسية داخل إيران، وإضعاف الجناح المحافظ المتحكم في الشأن السياسي منذ ثورة الخميني، لاسيما مع ارتفاع شعبية الجناح الإصلاحي وصوله إلى السلطة ومحاولته التقرب والتطبيع مع الغرب في محاولة للخروج من العزلة الدولية المفروضة على البلاد.

من جهة أخرى  يتوقع بعض المحللين أن اتفاق الإطار بين إيران والدول الغربية سيؤدي لا محالة إلى خلق تحالف غير معلن بين الأطراف المعنية من أجل إنهاء أزمة الملف النووي الإيراني وبالمقابل كسب دول الغرب لثقة إيران ودعمها المادي – التكتيكي واللوجيستيكي في مواجهة تمدد التنظيمات الجهادية بالمنطقة لاسيما تنظيم الدولة الإسلامية الذي يهدد مصالح الغرب وحلفائها ويتعارض مع التوجه الشيعي الإيراني في نفس الوقت.

أما عن الدول العربية فإن علاقتها بدولة إيران تعرف عدة توترات نتيجة تأثير سياسة إيران الخارجية في عدة ملفات بالساحة الإقليمية واحتدام الصراع مع المملكة العربية السعودية على الريادة بالمنطقة، ومحاولة بسط نفوذها وهيمنتها الإقليمية من خلال استخدام الأحزاب والطوائف الموالية لها بدول المنطقة، ودعمها اللامشروط لنظام بشار الأسد بسوريا وسياسة حزب الله بلبنان و دعم انقلاب الحوثيين على الشرعية باليمن .

انطلاقا من هذه المعطيات يخشى بعض المحللين أن يكون للاتفاق تأثير جد قوي لتوسيع نفوذ إيران بالمنطقة وبسط سيطرتها وهيمنتها الجيو سياسية والدينية داخل دول المنطقة وبالتالي محاولة تصريف أزمتها الداخلية إلى تلك الدول، ومن الناحية الاقتصادية يرى البعض أن الاتفاق سيشجع على زيادة الاستثمارات الخارجية بإيران والاستفادة من الفرص الاقتصادية المتاحة بالمنطقة لاسيما من إمكانية توقيع اتفاقيات اقتصادية وتجارية مع تركيا التي تشكل قوة اقتصادية عالمية الأمر الذي قد يلحق أضرارا باقتصاد باقي دول المنطقة .

أما الجانب الإسرائيلي فقد رأى أن إيران من خلال الاتفاق حول برنامجها النووي حصلت على أبعد مما كانت تطمح له في مفاوضاتها مع الغرب، وأن تطبيق اتفاق الإطار الذي تم التوصل إليه، من شأنه تمهيد الطريق أمام إيران لحيازة السلاح النووي وبالتالي تهديد أمن إسرائيل، الأمر الذي قللت من أهميته الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت الاتفاق بالتاريخي والجيد وخطوة جد مهمة لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي .

*باحث بسلك الدكتوراة “القانون الدستوري وعلم السياسة”

 

 

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.