Modern technology gives us many things.

أقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الموازين !

0

نورالدين اليزيد

سؤال بديهي يتبادر إلى كل ذي قلب وعقل سليمين بهذه المملكة الآمن شعبها، وهو هل مِن باب الصدفة أن يهاجمنا في الآونة الأخيرة فجورٌ وطعن ٌفي رصيدنا الأخلاقي والقيمي بدا وكأنه مرّتب بغاية من الدقة؟ !

بعيدا عن نظرية المؤامرة التي تتسلح بها تلك الأصوات المبحوحة لتواجه فئةً من الناس تأبى إلا أن تجهر وتصدح بكلمة حق غير خائفة من لومة لائم، ولا تحركها أية أجندة لا إيديولوجية ولا سياسية ولا أمنية بلبوسات ثقافية وإعلامية، فإننا ها هنا ندلي بهدوء بدلونا في ما تعرض له مجتمعنا مؤخرا من غزو للأجساد العاريات الرخيصات، وبتواطؤ مفضوح ومكشوف تماما كما هي باتت مفضوحة نوايا الذين يخططون لأجل إحداث الوقيعة –لا قدر الله- بين مكونات المجتمع الواحد، سياسية كانت أو عرقية أو طبقية (اجتماعية)، لحاجة في أنفس هؤلاء الذين يمنون النفس بالعودة إلى منطق التسلط والاستبداد، بعدما تبيّن لهم أن المغرب يسير بثبات في طريقه إلى الديمقراطية المنشودة، وهو ما بوأه مكانة تلقى الترحيب والاحترام اللازمين من قبل الخصوم قبل الأصدقاء، ومبررهم في ذلك أنهم خسروا التأييد الشعبي لتوجهاتهم الغريبة عن المجتمع، والأفضل بالنسبة إليهم أن يرتموا في أحضان السلطة حتى ولو جارت على أن يسلموا لغيرهم الحكم ويواجهونهم ندّا لندٍّ !

إن تهافُت بعض مثيري النعرات والضغائن والفخاخ على ربط النقاش الرائج حاليا بالحزب “الحاكم” ذي المرجعية الإسلامية وإلصاق تهمة المعارِض الشرس للفن والحريات والمهرجانات به، لهُو عملية تدليس كبرى يلجأ إليها المتربصون لاختطاف حلم المغاربة بنجاح انتقالهم الديمقراطي وإشعاع نموذجهم، ولذلك فإن هؤلاء المتربصين الانتهازيين لا يألون جهدا لمحاولة ترسيخ أن “الهجمة” الأخلاقية والقيمية التي تتعرض لها بلادنا هذه الأيام إنما هي واحدة من مظاهر الصراع بين “الظلامية” كما يصورون ذلك و”الحداثة” المفترى عليها من قِبلهم، وكل ذلك لأجل غاية إجهاض التجربة الديمقراطية المغربية غير المسبوقة في المنطقة، وزعمهم الواهي في ذلك أنهم حماة حرية الفن والتعبير والرأي !

قد يبدو كاتب هذه السطور في هذه الورقة متعاطفا مع هؤلاء أصحاب المرجعية الذين حملهم “الربيع المغربي” إلى الحكم، وهم الذين خاض معهم سجالا ولازال لاختلافه معهم في القناعات والأولويات السياسية منها وغيرها، لكن ينبغي التنبيه إلى أن وحدَها معركة الذود عن المبادئ الحقة للديمقراطية تلك التي تحترم كينونتنا وهويتنا كمجتمع له خاصيته الثقافية والحضارية هي ما يمكن أن يجعل المرء قد يهادن أيًّا كان ويخاصم أيًّا كان لأجل هذه الهوية !         

وإنها لحربٌ نعلنها صراحة سواء ضد الذين يرفعون شعار الدّين ويتخذونه مطية لأجل المآرب السياسية أو الشخصية، أو ضد الذين يتوارون خلف العناوين البراقة للحداثة والحريات لإخفاء انكساراتهم واندحار إيديولوجياتهم البالية، من جهة، ومن جهة أخرى، للتقرب إلى السلطة بل وتحريضها على “الانقلاب” على كل هذا الرصيد الذي بات يميز المغرب عن غيره من بلدان هذه المنطقة الملتهبة !  

لقد صُدم المتتبع وهو يرى تلفزيونا عموميا يذيع سهرة مباشِرة لمغنية أمريكية جاءت إلى بلادنا لتستعرض مؤخّرَتها بألبسة عازلة وكاشفة، دون أن تضع تلك القناة حتى شارة (ممنوع على اليافعين)، كما تفعل مع بعض برامجها التي تتضمن لقطات غير ملائمة للقدرات الإدراكية لهذه الفئة من الناس؛ والطامة الكبرى أن المغنية المعروفة بدفاعها المستميت عن المثلية الجنسية كانت في ذات الوقت تستبدل وتنوع عروضها الراقصة المفضوحة -طيلة زهاء الساعة من الزمن- أمام آلاف اليافعين من أبناء هذا الوطن في قلب عاصمة البلاد. ليطرح السؤال المؤرق ما إذا كان هذا النوع من “الفن” هو ما تصبو إليه الجمعية المنظمة للمهرجان الذي يبدو أنه ينتقي بدقة شديدة الوافدين على منصاته، تماما كما انتقوا لوبيز والفرقة التي روّجت وحرضت على جسد أحد أعضائها للإطاحة بالقانون المغربي من خلال الدعوة إلى التشطيب على مادة جنائية تعاقب على الشذوذ الجنسي !

ومن “غريب” الصدف، إذا سلمنا جدلا بهذا النوع من الغرابة، أن يأتي عرض جنيفر لوبيز المغري والساحة الوطنية تعرف نقاشا اتخذ أبعادا ذات بعد انتهازي ووصولي –في كثير من الأحيان- حول فيلم سينمائي يتضمن لقطات بذيئة –حتى لا نقول ساخنة- لمُخرج عُرف عنه وأسرته علاقتهم المتوترة مع ثقافتنا ولغتنا التي لا يتحدثونها إلا لماما وبطريقة تشبه تلك التي يتفوه بها الأجانب !  بل إن غرابة الصدفة تصل إلى درجة بث الشك والريب في الأنفس عندما تحل امرأتان فرنسيتان في نفس الوقت بساحة صومعة حسان التاريخية وتتبادلان القُبل الحارة وتصوِّران ذلك دفاعا عن ما تسميانه الحرية الجنسية؛ هذا عدا عن الشابين المغربيين اللذين سارا على نفس العضوين في “فيمن” (جمعية لها فروع في عدة دول تدافع عن المثليات والمثليين جنسيا)، ويبدو أنهما وجدَاها فرصة سانحة لإعلان مثليتهما أمام الملأ !

الأخطر في المسألة أن سياسيين وإعلاميين ومثقفين استغلوا مواقعهم التنظيمية ومنابرهم ومؤسساتهم لتعويم النقاش وإلباسه قَسرا لبوس الإيديولوجية واللون الحزبي، بينما الأمر هو أكثر من ذلك وأضخم ويهم ثقافة ومبادئ أمة تتجاوز صناديق اقتراع على وشك أن يذهب إليها الناخب، كما تتجاوز حاجةً في النفس الخبيثة لمن يصطاد في الماء الآسن ويبيع الناس سلعة فاسدة ليس كمثل فسادها إلا أن يقولوا.. العُري فرجة وحرية وفن !!  

في كلمة..علينا التحلي بغير قليل من الشجاعة ونقسط في القول والفعل لتستمر موازين هذا البلد السياسية والثقافية والاجتماعية والأمنية غير مختلة..ولئلا نخسرها جميعها !

[email protected]

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.