في جبة سمسار انتخابات

0 1٬018

حسن طارق

 في مُتداوَل مُعجمكم المُتعالي، أنا مُجرد «سَمْسَار انتخابات». طبعاً أنتم ضحية السهولة والتّعميمات المُختزلة. أكثر من ذلك، أنتم ضحية اللغة نفسها؛ السّمسرة ليست عيباً في النهاية، هي مهنةٌ كغيرها من المهن التي يقتسمها الشرفاء والأنذال. ثم أنتم لا تنتبهون إلى أن كثيرا من «المحللين السياسيين» الطارئين على الوقت يستعملون في قراءة المشهد العام مفاهيم «العرض السياسي» و»الطلب الانتخابي»، ومنهم بعض المُتفقهين الأكثر جرأة من يُغامرون بالحديث رأسا عن «السوق الانتخابية»!

طيب، هل تريدون سوقاً وعرضاً وطلباً بلا سماسرة ولا وُسطاء؟

  عموماً أوصافكم ونُعوتكم المُقرفة لا تهمني، لطالما حولتنا صحافة المعارضة السابقة إلى «كائنات انتخابية»، أو إلى أعضاء في «الحزب السري»، و في حالات أخرى إلى أدوات مخزنية بيد «أحزاب الإدارة» لصناعة «الأغلبيات المخدومة»، حسب اللغة القديمة.

ترشحت في بداية التسعينيات للاقتراع المحلي، بدافع من أصدقاء الحي و»الدّوار» الصفيحي الذي بجانبنا، كنتُ مُجازاً عاطلاً، في مواجهة كلّ من وزير سابق، ونائب رئيس حزب معروف. تعاطفُ الأمهات والأسر، وتعبئة الشباب الذين استفاد غالبيتهم من دروسي في التقوية، جعلتني أفوز بفارق صغير على منافسي الأول، والذي بالرغم من توزيعه للمال، فإن أعوان السلطة خاضوا حملة شعواء ضده.

لم أنتبه يوماً لِلَون الحزب الذي أترشح معه، المهم ألا يكون مزعجاً للسلطة. أسست جمعية لشباب الحي، تم فيما بعد جمعيتين في إطار المبادرة الوطنية، وأصبحت مُخاطباً للسلطة المحلية ولرئيس الجماعة، في ما يهم «الدّوار»، ومخاطباً للسكان في ما يتعلق بمصالحهم الصغيرة، أُوزع أذونات الدعم في رمضان والأعياد، على يدي، وأُرشد المُحسنين لأسر الأرامل والأيتام، وأتابع عملية إحصاء القاطنين في أفق نقلهم إلى سكن يليق بالبشر.

لم يعد الاقتراع في مدينتي فردياً، لكن تعودت على التفاوض مع وكلاء اللوائح على ترتيبي، هم يعرفون حجمي الانتخابي. أما في الاقتراع التشريعي، فإنني أستطيع أن أقدم للمرشح الذي أمضي معه صفقة الدعم، العدد الدقيق من الأصوات الذي سيحصل عليه في أكثر من عشرة مكاتب للتصويت في المُحيط الجغرافي لنفوذي الانتخابي. 

لم أعد شاباً، أنا أُطل على عقدي الخامس، ولدي أسرة. نعم، لقد آمّنت وضعي الوظيفي بمنصب شغل في بلدية قريبة من خلال عملية مُعاوضة مع مستشار كان هو الآخر عاطلا، فمنحه رئيسي منصباً مالياً مقابل أن فعل رئيسه الأمر نفسه معي.

وعدا ثلاث بقع أرضية متفرقة في المدينة، قدمت لي في مناسبات متباعدة من مقاولين عقاريين «أصدقاء»، وشقتان للسكن الاجتماعي استفدت منهما في إطار برنامجين للقضاء على دوّارين صفيحيين في الجماعة، لا أملك أي شيء، وكثيراً ما أضحك في قرارة نفسي عندما تتطاول عليّ بعض ألسنة السوء والحقد، لكي تتهمني بالفساد، أنا الذي بالكاد أغطي مصاريف الشهر، استناداً إلى «تعويضات» الجمعيتين اللتين أرأسهما في إطار المبادرة الوطنية للتنمية.

 إذا كان ما أفعله، يجعلني سَمْسَار انتخابات، فأنا أعتز بذلك. أنا من يُلبي نداء الوطن بلا تردد ولا مقابل، إذ ساهمت في التعبئة لكل المسيرات الشعبية ضد الإرهاب، ومن داخل الحي كنت أحرص على أن تحضر حافلتين على الأقل مملوءتين عن أخرهما من نساء وشباب الدائرة، في كل المحطات الكبرى: مؤتمر الحزب ببوزنيقة وتظاهرات فاتح ماي بباب الأحد .

طبعاً لا أُخفيكم أن الأمر كان نزهة حقيقية ورحلة ترفيه نادرة بالنسبة إلى الأغلبية من السكان الفقراء الذين أتعاون معهم. لكن، وبعيداً عن منطق الاستجمام لبّيت نداء الوطن في وقت صعب، وأعني بذلك عندما طُلب مني تعبئة شباب الحي لمواجهة المُغامرات غير المحسوبة لبعض المُندسين ممن أطلقوا على أنفسهم شباب 20 فبراير!

طيب، أنا سمسار انتخابات إن شئتم. لكن لديّ قناعة عميقة بأنني من الجنود المجهولين للمشروع الديمقراطي الحداثي.

قد لا تصدقون، لكنها الحقيقة!

 

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.