Modern technology gives us many things.

كل عام وأنتم بقحط

0

رشيد سليم

لا نتمنى زوال النعمة على أحد ولكننا نحلم أن تنقلب الأدوار حينا من الدهر، شهرا أو بعض شهر ونوزع العطايا توزيعا، نحلم ــ نحن معاشر البؤساء ــ  أن نكون أصحاب الفيلات وأفخم السيارات وأن ندفع البقشيش لأبناء السادة ونمد أحذيتنا لآبائهم كي نلمعها ونحن ننفث الدخان، نروي عطشنا بالماء المعدني ونبيع لهم ماء مثاناتهم وحيضهم بثمن مناسب ثم نقيم لهم مستشفيات مجانية لتصفية الكلى مثلما يفعلون بنا الآن…

 نحلم أن نبيت ردحا من الوقت في نعيم السرر والأفرشة الوثيرة، آمنين من حر الصيف أو برد الشتاء، ثم نرسل للمحرومين المؤقتين أغطية أمام عدسة الكمرة، وهم لن يشكرونا طبعا لأنهم يعلمون أكثر منا أنها من المال العام الذي هو حق للسائل والمحروم…

بل نحلم بيوم واحد فقط نستغل فيه كريمات الصيد ومقالع الرمال والمناجم ونشاهد فيه فلذات أكبادهم تصرخ من الجوع أو تكسر عظامها وهي تطالب بالعودة إلى النعيم على جحيم المهدورين أمام البرلمان، يوم واحد نجري فيه لبناتهم عمليات إسقاط الأجنة بسبب غلطات أبنائنا الماجنين وطمع بناتهم في الحياة الرغيدة، يوم واحد نقلب فيه عرباتهم وهم باعة متجولون لينفطر قلب الرجل فيهم( إن وجد ) حسرة على مرارة الزمن، يوم واحد نجعلهم يتمالكون دموعهم في كبت مؤلم من قلة الحيلة وأبناؤهم يتمرغون بين أرجلهم من فرط الجوع وضنك العيش، يوم واحد يحاولون فيه تحين الفرصة لمباشرة حق الفراش في غرفة وحيدة بين غرف الجيران وجدرانها النحيفة التي تمرر أصوات دبيب النمل، لا حديث للوسادة يذكر لأنها تأخذ دور كاتم السر أثناء عمليات التواصل المعلومة، يوم واحد نسفه فيه كل ذي خلق كريم (هذا إن كان بينهم كريم) وننعته بالرجعي والمتخلف، فما أيسر لغة الفجور والفسق العلني على ألسنة البشر.

نعرف أن مثل هذا الكلام سيكون كابوسا أو مسلسل ترعيب بالنسبة للذين يعنيهم الأمر، بالنسبة لأولئك الذين ينعمون أنفسهم وأهليهم بما لا يحق لهم، والواضح أن تخمة الحرام قتلت فيهم كل إحساس بالذنب، بل ينظرون إلى دافعي الضرائب نظرة ازدراء بعيون مجرم باسط السطوة، وأشرفهم يعد بفعل منفعة ضارة في كبر قارون، ثم يتغنى بها وكأنه أغرق الدنيا بالخير الكاذب فصار يمن على العباد أفضال طول لسانه الخبيث، لكن لكل كلب يومه، والحمد لله على نعمة القحط، على قول الشاعر: ( قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ++ ويبتلي الله بعض الناس بالنعم).

القحط والغلاء قد يخرجان الشعب المنكوب من القمقم ليسوي الأرض بالأرض، والبشر بالبشر،والوبر بالحضر ويسرني أن أكون قلم نحس عليهم هذه السنة أو التي تأتي بعدها، ولا يزعجني من يرى في الكلام سواد شؤم على نعمة الأمن، فإني ما عدت أطيق صبرا على العصابة المحترفة، ولا على ضياع الأعمار في مقابر الانتظار…

ربما يتعفف المغاربة عن حلم يلطخ أيديهم بالحرام، لكنهم يرنون لعيش ساعة من أيام أحد العمرين، وبما أن الحلم يبقى حلما فكل عام وأنتم بقحط.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.