Take a fresh look at your lifestyle.

بنكيران والمُقامَرة بأمن الوطن

0

نورالدين اليزيد

نقولها بكل قوة وبكل صراحة إن الإصلاح لا يأتي بأي حال من الأحوال على حساب الأمن الاجتماعي للأوطان، مهما كانت مبررات ودواعي هذا الإصلاح سواء أكان سياسيا أو اقتصاديا، على اعتبار أن لا قيمة لأي إصلاح مهما كان في ظل اضطراب أو غليان اجتماعي قد يؤدي إليه ضربُ القدرة الشرائية للمواطنين وإغلاق باب الكسب للعيش بما في ذلك التوظيف في الإدارات العمومية.

ولعل ما يقوم به اليوم رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران الذي جاء قبل نحو خمس سنوات إلى الحكم على إثر موجة احتجاج اجتماعية عارمة عمت المغرب من أقصاه إلى أقصاه مطالِبة بعدالة اجتماعية ومحاربة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية، لهو مغامرة غير محسوبة العواقب من سياسي لا يعمل على تطبيق أهداف برامج انتخابية سبق أن وعد بها الناخبين بقدر ما قد يعني تهافتُه في نهج سياسة تقشفية صارمة تستهدف شرائح اجتماعية واسعة إما سعيُه لنيل رضى الدولة وليبدي حُسن نوايا “إسلاميين” ظلوا مشكوك في نواياهم إزاء النظام السياسي المغربي، وإما العكس تماما بحيث يسعى لزعزة هذا النظام حتى ولو زعم عكس ذلك بل وحتى لو اتهم آخرين بالرغبة فيه والسعي إليه !

ولا يخفى على أحد ما لهذه “الإصلاحات” التي يقوم بها رئيس الحكومة الحالي، من نتائج اجتماعية وشعبية وخيمة ليس أقلها ولا آخرها ضرب القدرة الشرائية للمواطن وتحميله عبء تلك الإصلاحات المقررة، بينما يكشف الواقع أن أصحاب الأجور المرتفعة من الموظفين السامين بمن فيهم الوزراء وكبار المدراء وكذا البرلمانيين الذين مِن المعروف أن مناصبهم هي تمثيلية أكثر منها وظيفية ما يفرض التقليل ما أمكن من التعويض على ذلك، هي فئات لا يطالها الإصلاح أو على الأقل لن يكون أي إصلاح مزعوم مؤثراً بشكل كبير في ما تتقاضاه من تعويضات مرتفعة جدا لا حاليا ولا بعد خلودها إلى تقاعد أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه مريح لحد التخمة.

والمثير والغريب في هذه الإصلاحات التي قد لا نختلف في العديد منها ولكن نختلف في طريقة مقاربتها وفي زمانها، هي أنها تتناقض تمام التناقض مع ما كان يتضمنه برنامج الحزب الحاكم (العدالة والتنمية) الانتخابي، الذي كان يتمحور حول تحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية للمواطن عدا عن الأخرى السياسية والثقافية والتربوية وغيرها. ومما أكد عليه الحزب بالأرقام والجداول التوضيحية في برنامجه الانتخابي (يمكن العودة إليه لمن شاء) أنه سيعمل مثلا في حال نجاحه على التخفيف من العبء الضريبي على الفئات الدنيا والمتوسطة واستهداف ذوي الأجور المرتفعة، لكن وبعد نحو خمس سنوات من حكمه لا نرى إلا أن العكس هو الذي حصل بحيث ازدادت أسعار الضريبة وتنوعت مجالات التضريب مستهدفة بالأساس الطبقات الدنيا والمتوسطة، بينما فئات الموظفين السامين مثلا نجد السيد رئيس الحكومة يعترف شخصيا بكونه لا يستطيع الاقتراب من وضعهم لأنه وجده “كذلك”. وهذا يطرح أكثر من علامة استفهام حول موقع رئيس الحكومة الذي خوله دستور 2011 ما لم يتمتع به أيُّ رئيس (وزير أول) من قبله، وبالتالي يصبح من البديهي القول إن حزب رئيس الحكومة تراجع عن ما جاء به برنامجه الانتخابي إن لم نقل أنه بات يُطبق “برنامجا” آخرَ فُرض عليه فرضًا، وهنا لا بد من توفّر الشجاعة الأدبية والسياسية لديه ليُخبر الرأي العام بذلك شريطة أن لا يلخص الأمر في كلام فضفاض من قبيل مجابهته من قبل “التحكُّم” و”مناهضي الإصلاح” وغيرهم ! 

ولعل ما يثير الكثير من الريب والشك في نوايا الحزب الحاكم وزعيمه هو هذا الإصرار العجيب والغريب في التمادي في ما يسميها إصلاحات بالرغم من علمه أنها تستهدف بالأساس التأثير سلبا على حياة شرائح واسعة من الشعب، إن لم يكن الدافع هو “خدمة” أجندة لا يعلم أصحابَها إلا رئيس الحزب والمقربون منه، وهنا لا يمكن استبعاد حتى إمكانية وجود “صفقة” للاستمرار في الحكم قد تتحول إلى مقامرة بأمن ومستقبل البلاد في ظل التداعيات التي أصبح يشهدها الشارع سواء من خلال التدخلات الأمنية العنيفة لفض الاحتجاجات بمباركة من الحزب وقادته لاسيما الوزراء منهم وهو ما قد يولد ردود فعل شعبية غاضبة، أو من خلال التمادي في السياسات الإصلاحية غير الشعبية البعيدة كثيرا عما حمله الشباب من مطالب خلال حراك 20 فبراير من سنة 2011 وهو ما قد يجعلهم يحسون بالغبن وبكون الحراك ذاك لم يأت إلا بعكس ما طالبوا به..

إن مثل هذا الإصلاح لن يكون إلّا وبالًا على أصحابه وعلى الوطن-لا قدر الله- إذا ما تم السير فيه بعيدا عن نبض الشارع والناس، بل وبطريقة مستفزة تمعن في إغناء الغني وإفقار الفقير !

[email protected]

https://www.facebook.com/nourelyazid

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.