انتقل إلى دار البقاء الفنان الطيب الصديقي فارس المسرح المغربي وأحد أشهر وجوه أب الفنون الجميلة، مساء يوم الجمعة، بإحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء.
وخلف رحيل قيدوم المسرح المغربي حزنًا عميقًا في الساحة الفنية بالمغرب، كون الراحل يوصف بـ”أب المسرح المغربي بعد الاستقلال”، وأحد أبرز الشخصيات الثقافية التي أعطت الشيء الكثير للفن بالمغرب.
الطيب الصديقي الذي عانى خلال الأشهر الأخيرة من المرض، أسلم الروح يوم الجمعة عن سن ناهز 79 سنة ويعد واحدًا من أشهر المخرجين المسرحيين في الساحة العربية، كما يعدّ أكثر المسرحيين المغاربة تأثيرًا في فنون التمثيل بالمغرب.
ولد الصديقي عام 1937 بمدينة الصويرة المطلة على المحيط الأطلسي ورحل إلى مدينة الدار البيضاء حيث درس ثم توجه إلى فرنسا ليتدرب على عمل البريد لكنه اتجه إلى دراسة المسرح.
وفي فرنسا التقى الصديقي بأسماء لامعة في مجال المسرح المغربي أمثال أحمد الطيب لعلج ومحمد عفيفي وخديجة جمال. ولعب أول أدواره المسرحية في مسرحية (جحا) ثم اشتغل في فرق مسرحية كمسرح (البراكة) وجسد عدة أدوار ليلتقي فيما بعد بأبرز الأسماء المسرحية الفرنسية أمثال هوبير جينيو وجان فيلار.
في عام 1956 شارك بمسرحية (عمايل جحا) بباريس ثم أسس فرقة (المسرح العمالي) في عام 1957 ليقدم عدة مسرحيات من اقتباس المغربي أحمد الطيب لعلج والمصري توفيق الحكيم وأخرى من اقتباس أرستو فان.
وفي عام 1960 اقتبس مسرحية (فولبون) لبن جونسن وأسس بعد ذلك فرقة (المسرح البلدي) اشتغل فيها على عدة مسرحيات عالمية كاقتباسه من صامويل بيكيت واقتبس من التراث المغربي أيضا.
كما خرجت فرقة (ناس الغيوان) المغربية الغنائية الشهيرة من فرقته (المسرح البلدي).
واشتهر الصديقي بتوظيفه للتراث المغربي في مسرحياته. وكانت له أيضا أعمال سينمائية مثل (شريط الزفت) وشارك في أعمال عربية كفيلم (الرسالة) للمخرج مصطفى العقاد. وله اهتمامات فنية أخرى كالفن التشكيلي.

وفي سنة 1960 وبعد عودته من فرنسا ثانية، اقتبس وأخرج مسرحية «فولبون» لبن جونسون، بعدها وبطلب من مدير المسرح البلدي بالدار البيضاء «روجي سيليسي» كون فرقة سميت بفرقة المسرح البلدي، انتسابا للمكان، وقدم أول عرض بعنوان «الحسناء»، وبعد تقديم عروض كثيرة أخرى، اشتغل على اقتباس من الروائع العالمية، منها مسرحية «في انتظار كودو» ل(صامويل بيكيت)، ليخرج بعمل بنفحة مغربية تحت عنوان «في انتظار مبروك»، إلى جانب أعمال يطول حصرها.
في سنة 1965 عين الصديقي مديرا للمسرح البلدي بالدار البيضاء، فكانت بداية لظهورمسرحية من تأليف عبد الصمد الكنفاوي تحت عنوان «سلطان الطلبة» التي اعتمد فيها على الثقافة المغربية في بعدها التراثي، مضيفا إليها عددا من الإنتاجات الخالدة التي تسير في نفس السياق، وعلى سبيل الذكر لا الحصر: «ديوان عبد الرحمان المجدوب»، «بديع الزمان الهمداني»، «الفيل والسراويل»، «جنان الشيبة»، «الشامات السبع»، «قفطان الحب» و«خلقنا لنتفاهم» هذه المسرحية الأخيرة التي (كان لي شرف إنجاز ديكور بعض المشاهد منها سنة 1995). لم يقف عطاء وإبداع الطيب الصديقي عند هذا الحد، بل كان له اهتمام بالمجال السينمائي كذلك من خلال شريطه «الزفت» كما يرجع له الفضل في تقديم أسماء مغمورة، قبل أن تمتهن الغناء، لتصبح معروفة باسم (ناس الغيوان)، ولم يكن لي سابق معرفة بانشغالاته التشكيلية، إلا حين طلب مني في بداية التسعينيات، استنساخ عدد من لوحاته الفنية عن طريق تقنية السيريغرافيا،التي اتخذت من الخط موضوعا لها.

وصف النقد الفرنسي والإنجليزي الطيب الصديقي بأحسن ممثل أجنبي خاصة حين شوهد في مسرحية باريسية“ فامتاز آنذاك وظهر نبوغه في هذا المجال والتقى أعلاما مسرحية تقدمية مهمة ساعدته على المضي أكثر في هذا الصدد مثل هوبيرجينيو ومن بعد جان فيلار.
وبسبب قدراته الخارقة على الارتجال وتمكنه اللغوي الهائل وثقته في عمله وفنه كلها عناصر مكنته دوما من أن يكون فارسا على خشبة المسرح لا يشق له غبار، بل إن من النقاد من ذهبوا إلى حد منح لقب “أورسون ويلز العرب” كما جاء في أواسط الثمانينيات على الصفحة الأولى من جريدة “لو موند” الفرنسية الذائعة الصيت، بمناسبة تجسيده دور أبي حيّان التوحيدي، على خشبة “بيت ثقافات العالم”، مسرح صديقه شريف الخزندار في باريس.
سعاد صبري