نورالدين اليزيد
سؤال بسيط وساذج للغاية أطرحه على إلياس العماري “المنتخب” أو بالأحرى المدفوع بالتصفيق والتهليل لرئاسة الحزب المقرب جدًّا من الإدارة: هل عندك عِلمٌ بفصلٍ من دستور 2011 يحمل رقم 41 يُعيد التذكير بالدور التاريخي لـ”إمارة المؤمنين” في حماية الإسلام والمسلمين واحتكاره بدون منازع لهذا الدور، بحيث تتصدر جملةٌ كافية وشافية هذا الفصل مؤكدة أن “الملك أمير المؤمنين وحامي حِمى الملة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية”؟
أكاد أجزم أن كل السياسيين سواء الذين يحملون شواهد علمية محترمة أو متواضعة أو حتى الذين لا يحملونها، لا يخفى عليهم كون الملك هو المنافح الأول والحامي الأوحد لملة العباد في هذه البلاد (بعد الله سبحانه وتعالى طبعا)، ولذلك فإن التاريخ الوطني السياسي وحتى الديني -إذا أردنا الوصف- لم يشهد رجلا قط كانت له من الشجاعة ما تجعله يخرج في عباد الله مخاطبا إياهم بأن مهمته “المقدسة” في زمانه هذا الأغبر هي الدفاع عن “المسلمين”، كما فعل إلياس العماري وهو ينتشي باعتلائه كرسي قيادة الجرّار من دون أدنى منافسة.
ويبدو أن الفرحة بتحقيق فوز أو نيل مكاسب تجعل الشخص أحيانا يفتقد غير قليل من التوازن في الكلام والتفكير فيسقط في ما قد يعود بمساوئ وربما كوارث على الناس أجمعين، وليس على الشخص المعني بالتصرف وحده أو على محيطه والمقربين منه فقط، وهو ما يمكن أن ينتج عن الكلام غير الموفق (حتى لا نقول غير المسؤول) الذي صدر عن السيد العمّاري مباشرة بعد توليه رئاسة حزب الأصالة والمعاصرة ! وذلك عندما نسي الدور الطبيعي والأساسي لكل السياسيين والحزبيين والذي يؤطره النص الدستوري، ألا وهو تأطير المواطنين وتثقيفهم بروح العمل الجماعي بعيدا عن العزوف عن الشأن العام، وليس بذر روح الصدام والمواجهة بل وإعلان الحرب واستنفار الناس لأجل ذلك.
إن المتمعن في كلام “الرفيق” إلياس الذي زعم أن حزبه تخندق في اليسار وتحديدا في “وسط اليسار” الذي ينهل الأحسنَ ما في الاشتراكية وهو البعد الاجتماعي، والأجودَ ما في الليبرالية وهو الديمقراطية، كاد أن يقول أن “وسطه” هذا ينهل أيضا من “الإيديولوجية” الدينية ويأخذ منها صكا يخول له الدفاع عن دين العباد، وهذا لعمري افتراء وتضليل لا يوازيهما في الفداحة والخطورة إلا افتراء وبهتان وانتهازية المتأسلمين الذين يسمحون لأنفسهم التحدث باسم الدين، وينسون أن الدين لله هو القادر على حفظه وصونه !
ولعل السيد العماري الذي صار يحلم كثيرا (وهذا من حقه طبعا ولا ينازعه أحد فيه)، إلى درجة أن يكون الرجل الثاني في الترتيب البروتوكولي للدولة أي رئيس الحكومة، بعدما نال رئاسة واحدة من أبرز وأهم الجهات بالمغرب علما أنه لم ينل إلا بضعة أصوات فقط في منطقة قروية نائية، وبعدما بات يقود حزب الأصالة والمعاصرة، عدا عن إنشائه لمؤسسة إعلامية ضخمة شهورا قليلة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، قد أصابه قدر كبير من الغرور والشعور بالأنا قد يجعلانه يتجاوز حتى المساحات المسموح بها له كأحد الذين احتكوا برجالات الدولة بل والذين أخذوا منهم منهاج العمل والتحرك.
لقد ألفنا من “الرفيق” إلياس كمْ له قدرة عجيبة وغريبة على الظهور بمظهر الرجل غير الطامح ولا الطامع في كرسي ولا منصب، فإذا به ينالهما فيما بعد بل ويعمل على ذلك باختراق احترافي لا يُضاهى، وليس انتخابه رئيسا لجهة طنجة تطوان الحسيمة وهو القائل حتى قبيل الانتخابات الجماعية الأخيرة بأيام قليلة بأنه لا ينوي الترشح، وبعدها فوزه بقيادة “البام” وهو القائل أيضا عشية مؤتمر حزبه أنه لا يضع نصب عينه فوزه بأمانته العامة، إلا أدلة ملموسة على هذا النوع من المخلوقات السياسية التي يبدو أنها نهلت لحد التخمة من كتاب “الأمير” لنيكولا ميكيافيلي.
وما دُمنا ذَكرنا كتاب “الأمير” فلابد من الإشارة إلى أن أبرز ما جاء به الكتاب المضمن للعديد من النظريات والمفاهيم السياسية التي ما تزال تُدرس في الجامعات والمعاهد لحد الآن، هو المبررات التي يسوقها ميكيافيلي في كتابه لـ”الأمير” لأجل تقوية الدولة والحفاظ عليها، إذ لا تهم القوانين ولا الأخلاق أو الوسائل في سبيل تحقيق الأهداف !
إن لجوء السيد العماري إلى “استمعال” عنصر “الدين” تماما كما استعمله ويستعمله السيد رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران رئيس حزب “العدالة والتنمية”، يجعل كل مزاعمه هو وبنكيران لا تؤخذ على محمل الصدق؛ أولا لأن هذا “المُقدَّس” هو شيء مشترك بين كل المغاربة وأيُّ زعمٍ وادعاءٍ من قِبل هذا أو ذاك ولَئِن اختلفت طرقهما، سواء في التحدث باسمه أو الدفاع عنه، لن يدخل إلا في إطار “الاغتصاب” أو “المتاجرة” به. وثانيا لأن هناك إمارة المؤمنين وهي الجهة الوحيدة التي خولها التاريخ والعرف والدستور وظيفة صون هذا “المقدس” لدى المغاربة.
ولن أنهي قبل التأكيد على ضرورة أن يعي الذين بيدهم الأمر في الدولة أن “اللعب” السياسي وخلق اللاعبين أو الخصوم والتطاحن فيما بينهم، لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يعمي البعض فيلعب خارج ما هو مسموح له اللعب فيه !
https://www.facebook.com/nourelyazid