منار رامودة
إن من جهل شريحة لا بأس بها من السادة المثقفين والمثقفات ربطهم الدائم للدين بالمشاكل الحياتية والاجتماعية والسياسية. فإذا كنت أيها القارئ أو أيتها القارئة من المتتبعين لما يجري داخل العالم لاكتشفت وربما لأصابك الذهول والصدمة لمدى اتهام البعض للدين بكونه السبب الرئيسي وراء ما يحدث من نزاعات إيديولوجية وسياسية واجتماعية.
أي إن البعض يعتبر الدين شماعة يعلق عليها مختلف الصراعات التي تشهدها الساحة السياسية والاجتماعية على حد سواء. فللأسف هناك فئة لا بأس بها- وإن كنت أخفف عن نفسي باعتبارها كذلك في وقت أنها فئة كبيرة من المفكرين والفلاسفة والكتاب والقراء وصولا إلى عموم الناس- من يعتقدون اعتقادا جازما بأن الدين هو الذي يتسبب في الانشقاقات السياسية ويجعل من كل شخص قائدا متطرفا، متعصبا لما يحمله من قناعات وأفكار. وبأن الدين هو من يتسبب في الشرخ الموجود داخل المجتمع وبين أفراده، وذلك لكون أن هذا الأخير يجعل الفرد معصوب العينين غير آبه سوى لذاته وغير مهتم سوى لإثبات رأيه حتى وإن كان خاطئا .
إن مثل هؤلاء الأشخاص هم على معرفة جاهلة لمدى جوهر وكنه الدين. فأيا كان الدين أو الديانة التي يعتنقها الفرد فعليه قبل كل شيء أن يدرك بأن الدين موجود في الحياة ليكون مصدرا للأمان والسلام والراحة النفسية. وفي هذا الجانب، لا تنكر الأديان الثلاثة المقدسة حقيقة بل ضرورة اعتراف الفرد وإيمانه بربه.
إن الخلط الموجود الآن ليس سببه الدين بل سببه الإنسان، الذي حين عجز عن إيجاد الحلول لمختلف المشاكل السياسية والاجتماعية قرر حينها أن يعلق خساراته وفشله الذريع على الدين. فأصبح الكل يهرطق ويتفلسف، كل بصيغته. فهناك من يعتقد بأن الدين يشكل خطورة على نفسية الطفل إذ يجعله في حالة ضياع أو شرود نفسي. وهناك من يرى بأن الدين هو خدعة أو ذريعة اختارها الإنسان لنفسه لكي يكون أكثر أمانا مع ذاته وإيهاما لها بفكرة الأمن والأمان.
وأما رأي البعض الآخر( وهنا أخص بالذكر جماعة الملحدين ) الذين لا يؤمنون لا بالله ولا بالدين، لكن أكثر ما يغيض في هذه المسالة هو اعتقادهم وقناعتهم بوجود الروحانية والإمان حتى في غياب الله والدين. وفي هذا الإطار، يقول الفيلسوف André Conte Sponville : “الروحانية هي حياة النفس أو الروح وبأن حقيقة كوني ملحدا لا تمنعني من زيارة هذا العالم غير المحدود، كأن أتطلع في إعجاب للسماء المزركشة بالنجوم ليلا” . أو لا يسأل صديقي الملحد هذا نفسه هذه الأسئلة الآتية: هذه السماء التي تتطلع إليها بإعجاب من بناها وخلقها؟ وتلك النجوم المضيئة من سوَّاها؟ والسؤال الأهم هنا، هو المتعلق بالروحانية والإيمان اللذين يتحدث عنهما. كيف له ومن أين له بأن يشعر بالإيمان الذي يحكي عنه؟ لا شك في أنه إيمان فارغ بالفراغ الذي يملأ قلبه وروحه وكيانه. أو ليس الإيمان أن تؤمن بوجود الله الذي خلقك فأتقن خلقك، والذي وهبك الأعضاء والعقل والمخ ، والذي يعلم ما تسر وما تعلن؟ وما كان جوابك عما رزقك إياه سوى أنك استخدمت لسانك في التشكيك والتكفير به سبحانه؟ وأية روحانية في غياب إيمانك بخالقك؟ بخالق السماوات والأرض وما بينهما. عن أية روحانية تتحدث وأنت لم تعرف يوما معنى أن تتكلم إلى خالقك في حزنك وفرحك، وأن تستشعر مدى حلاوة وجوده بقربك واستماعه وحرصه لك بعينه التي لا تنام؟ ولم تعرف يوما معنى أن تناجيه وأنت على يقين بإنصاته لك! ثم كيف لجماعة الملحدين أن يؤمنوا بكل ما في هذه الحياة الدنيا من سماء وأرض وشجر وبحر وأنهار دون أن يؤمنوا بالواحد القهار الذي خلقها جميعها؟ ألم يتساءل النبي إبراهيم قبلكم عن خالق الكون، لكنه اهتدى إلى الجواب الصحيح الوحيد والمقنع لشكوكه وفضوله وأسئلته. ” فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الظالمين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين” صدق الله العظيم( الايات 74-83، سورة الأنعام).
إن الدين يا سادة أسمى وأطهر من أن تتخذوه علة أو سببا لمدى فشلكم في تسيير أموركم الدنيوية ، أو لمدى فراغكم وجمودكم النفسي. لا إيمان ولا روحانية في غياب الاعتراف بالله وبالدين الذي خاطبكم به ليخرجكم من الظلمات إلى النور. وإن الروحانية والإيمان اللذين يتحدث عنهما الملحدون هما بدون شك مرادفين لكلمات لم تعرفها البشرية بعد.
وفي نهاية المطاف، لا يسعنا أن نقول سوى” إنك لن تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء” صدق الله العظيم ((سورة القصص).