… مِثْلُ فلاحٍ عَشِقَتْهُ الأرضُ هَيْمَـى، يَزْرَعُ اللوْنَ فَوْقَ الثوْبِ والقُمَـاشِ… يَصِيرُ لَوْحَةً، بَلْ تَشْكِيلاً لِجَمَالِياتٍ مِنْ كِمْياءِ المَرْأَةِ والفَقِيهِ، المُعْتَقَدِ والطقْسِ، العَتَمَةِ والضيـاءِ، التمَثلِ والوَاقِعِ (…)، ويَسْتَقِيمُ – بِلُغَةِ حَفْرِياتِ المَعْرِفَةِ – تَوْلِيفَةً فَنيةً بَيْنَ المُقَدسِ والمُدنسِ…!
… مبارك بليلي، فنانُ تشكيلي مغربي، غَزيرُ الزرْعِ، قَلِيلُ الحَصَــادِ…!
… السيدُ الحريشي، وقَدِ ادَّخَرَ حَوَالَيْ 3600 مِنْ أَعْمَالِهِ الإِبْدَاعِيةِ، بَيْنَ لَوْحَةٍ وأَثَرٍ فَنِّيِّ، يَعْتَبِرُهُ ظَاهِرَةَ المَغْرِبِ الراهِنَةَ فِي الصبَاغَةِ الفَنيةِ، مَوْضُوعَاتٍياً وإنْتَاجاً… إحْدَى لَوَحَاتِهِ انْتَهَتْ مُلْصَقاً لَدَى المجلِسِ الوطني لحقوقِ الإنسانِ… ويُؤَكدُ صَاحِبُ هَذَا المُسْتَوْدَعِ الكَبِيرِ لِلوَحَاتِ بالرباط، أَنهَا أُهْدِيَتْ لِلمغرب…
… فِي لِقَاءٍ مَعَ تَشْكِلِي مَسْكُونٍ بِالأَلْوَانِ والأسْئِلَةِ وبِجُذُورِهِ القَرَوِيةِ، يَتَحَدثُ بَلِيلِي عَنْ تَجْرِبَتِهِ بِتَوَاضُعٍ يَصِلُ حُدُودَ الإنْمِحَاءِ، يَقُولُ مَثَلاً؛ ” وَجَدْتُ نَفْسِي فِي عَوَالِمِ الصبَاغَةِ بِمَحْضِ القَدَرِ وقَدَرِ الصدْفَةِ… دَرَسْتُ صِنَاعَةَ الكِتَابِ، قَذَفتْ بِي رِحْلَةُ تَأْمِينِ العَيْشِ لِمِهْنَةِ التعْلِيمِ، وَجَدْتُ نَفْسِي أَسْتَقِر بِالرباط… لَقَدْ وَجَدْتُ نَفْسِي أُولَدُ رَسامـاً…”
…وبِخُصُوص ِمَدْرَسَةِ الكِتَابِ المُنْدِثِرَةِ بِالرباطِ، يَتَأَلمُ بَلِيلِي عَمِيقاً دُونَ أَنْ يُلْتَقَطَ هَذَا الأنِينُ العَمِيقُ مِنْ أَحَدٍ…!؟
…كَكُل فَنانٍ أَصِيلٍ، بَلْ مِثْلَ أَي مُثَقفٍ شَكلَتْهُ الجُذُورُ الطبَقِيةُ القَاسِيةُ والأَفْكَارُ والأَحْلَامُ الكًبْرَى وتُرْبَةُ المَغْرِبِ المِعْطَاء، مَغْرِبِيٌّ حَتى النخَـاعِ، تَشْكِيلِيٌّ حَدَّ ” الغَزَارَةِ فِي الإِنْتَاجِ واللامُبَالَاةِ فِي التوْزِيعِ والحَصَـادِ…”، وشَاعِرٌ هَشٌّ حَالِمٌ – ذَا عَادِيٌّ ولَافِتٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ ! – فِي سِياقَاتِ الوَضْعِ الحَيَاتِي…!؟
…مَا أَكْثَرَ الخَيْبَاتِ، لَكِنْ مَا أَغْزَرَ الدُّفُؤَاتِ فِي بَلَدِي…!
…مَا أَوْسَعَ الفِكْرَةَ والحُلْمَ هُنَا، ولَوْ تَسَكعاً فِي الخِرْقَةِ والأَلْوَانِ، فِي عُشَيْقَاتِي؛ بَلَدِي، أًمي، نِصْفِي الآخَرَ، وَلَدَيَّ، لَوَحَاتِي، وفِي تَيْهِي بَيْنَ الكَأْسِ والسؤَالِ ورُفْقَاتِـي…!
…كُنْتُ هُنَا أُسْتَفْسِرُهُ عَنْ تَجْرِبَةٍ مُقْتَرَحَةٍ عَلَيْهِ خَارِجَ الوَطَنِ، فِي إِحْدَى البُلْدَانِ العَرِبِيةِ… وبِمَعَانِي ذِي العِبَارَاتِ أَجَابَنِي، وأَضَافَ – كَأَنهُ يَسْتَبِقُ سُؤَالِي الأَخِيرَ، ولَيْسَ الآخِر – “أَرْسُمُ مَا تَرَسخَ فِي ذِهْنِي ، فِي قَرَار وَعْيِي ولَا وَعْيِي، فِي ذَاكِرَةِ مَقْرُوءَاتِي مِنْ إِضَاءَاتِ بَاسْكُونْ والخَطِيبِي وجُسوس وأَدَبِياتٍ وتَجَارِبَ أُخْرَى تَكْبُرُنِي … أَرْسُمُ التنَاقُضَاتِ ، بَلْ مَا أَرَاهُ كَذَلِكَ، وهِيَ تَتَسَاكَنُ، تَتَصَارَعُ ، تَتَفَاعَلُ، تَتَكَامَلُ، تَتَمَازَجُ وتَتَشَاكَلُ… ولَا أَعْرِفُ، ولَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ، إِنْ كُنْتُ أَرْسُمُ أَوْ اَنْرَسِمُ…”
…وعَنِ المَعْرِضِ الذِي يَشْتَغِلً فِي أُفُقِهِ، بِالبَيْضَاء أَوِ مُراكُشَ أَوِ الربَاط – حَسَبَ تَصْرِيحِهِ – يَقُولُ: “إِما أَنْ يَكُونَ إِضَافَةً فِي المَشْهَدِ
الثقَافِي والإبْدَاعِي، قَبْلَ تَجْرِبَتِي، أَوْ لَا يَكُونُ… أَشْتَغِلُ، وأَلَمُ البَشَرِيةِ ، بَلْ ألَمُ الشرْقِ القَاسِي، يَشُلنِي… يَشُل الفُرْشَاةَ فِي يَدِي… يَشُل الفِكْرَةَ واللوْنَ والخِرْقَةَ واللوْحَةَ والروحَ وكُل كِيانِـي…”
…ويُؤَكدُ مُضِيفاً؛ “مَعْرِضِي المُقْبِلُ، لَنْ يَسَعَ اللوَحَاتِ التشْكِيلِيةَ وَحْدَهَا، لَنْ يَكُون فَقط فَضَاءً لِلصبَاغَةِ عَلَى القًمَاشِ أَوْ الثوْبِ الخِرَق البَيْضَاءِ… سَيَكُونُ – بِعَوْنِ اللَّهِ – مَحَطةً تَلْتَقِي فِيهَا أَجْنَاسٌ فَنِّيَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ ومُتَكَامِلَةٌ… تُجَاوِرُ اللوْحَةُ فِيهَا، مُبْتَكَرَاتٍ فَنِّيَّةً أُخْرَى، بِالخَشَبِ، بِالعُودِ، بِالمَعَادِنِ، بِالتُّرَابِ، بِالوَرَقِ،(…)، وبِالأشْيَاءِ والبَقَايَا عُمُوماً… هِي – إِنْ صَحَّتِ الترْجَمَةُ – أَشْيَاءٌ فَنِّيَّةٌ، لِلتَّأْثِيثِ الجَمَالِي فِي البُيُوتِ والأَمْكِنَةِ الخَاصَّةِ، وفِي الفَضَاءَاتِ العَامَّةِ، وهِيَ الأَهَمُّ بِالنسْبَةِ لِي فِي تَجْرِبَتِي المُقْبِلَةِ…”
… فِي أُفُقِ “ذَاكِرَةٍ مُلَوَّنَةٍ”؛ حُلْمٌ بَلِيلِيٌّ بِامْتِيــاز…!
محمد الفرسيوي