نورالدين الطبيلي
مللت من النظر إلى وجه هذا الوطن القبيح، الذي يشع فظاعة يوما بعد يوم. مللت من النظر إلى أطفال تذبل أزهارهم بين شوارع المدن، يبيعون السجائر والمناديل ويتعرضون لدريهمات يجود بها المحسنون، نهارهم جري وعرق وجوع يؤلم أمعاءهم الفارغة إلا من جرعة ماء وكسرة خبز، وليلهم طويل حزين، فراشهم الأرض وغطاؤهم السماء ولحافهم آهات ودموع تغرقهم في غميضات سرعان ما تنطفئ أضواء الحراسة، وينبثق نور الصباح لتعلن انطلاقة رحلة جديدة من العذاب.
مللت من النظر إلى أمهات اشتعلت رؤوسهن شيبا، يصطفن في دروب الأحياء وشوارع المدينة أمام موائد صغيرة، يبعن الخبز والفطائر وقطع الحلوى ليؤمن قوت يومهن وطعام عيالهن.
ما أقساه منظر ورجال السلطة يأتون على الأخضر واليابس، ويتركون الأمهات بين باكية ونائحة ومتضرعة إلى الله بالدعاء ” الله يأخذ فيكم الحق ” .
مللت من النظر إلى رجال بلغوا من السن عتيا، وهم يصعدون الحافلات بعاهات حقيقية وأخرى مصطنعة يستملون عطف وشفقة المسافرين ليكرموهم بما استطاعوا إليه سبيلا . مللت من النظر إلى وجوه نواب ووزراء ومرشحين وهم يتشدقون بالوعود الوردية والأحلام الواهمة في كل حملة انتخابية . يأكلون “البيصارة” والهندية” ويلتقطون الصور مع الشيوخ والصغار ومع بائع الحليب والألبان . يوهموننا بالشعبية التي ما أن توصلهم إلى مآربهم حتى تغيبهم عن الأنظار . فلا يسمع لهم صوت ولا ترى لهم أثرا.
مللت من النظر إلى قنوات تلفزية مغربية ، حالها كشهرزاد تحكي وتعيد حتى لا تموت. مللت من النظر إلى ثروات بلادي وخيراتها تستنزف وأموالها تهرب وأبناء هذا الوطن يموتون جوعا أو غرقا في حلم الضفة الأخرى.
مللت من النظر إلى شباب سلبت عزيمته وهمته، وصار تائها في سيل تكنولوجي يبيت ليله فيه، ويفني ساعات النهار متنقلا بين دول هذا العالم الأزرق.
مللت من النظر إلى رجال دين مدجنين يحرمون الموسيقى ويبيحون موازين . يبحثون الناس على قول الحق وهم عنه معرضون .
مللت من النظر إلى كل ذلك وأكثر .. قد أكون أعاني من ضعف البصر .. لذلك مللت النظر.