منار رامودة
إلى كل من سيقرأ هذا المقال.. الكلام لا يشمل الجميع وإنما يعكس حقيقة فئة من المجتمع.
مَن منا ينكر أن عدد المقاهي ببلدنا كبير وكثير بل وكما يقول إخواننا المصريون “أكثر من الهم على القلب”.
ولن أتردد في طرح احتمال قد يكون صحيحا إلى درجة معينة، وهو أن عدد المقاهي بالبلد يتجاوز عدد المكتبات والمسارح وصالات السينما ودور الثقافة. وهو احتمال وارد نوعا ما، إذ يكفي أن نلاحظ بأن المدينة التي قد تخلو من مؤسسات للثقافة والفن لا يمكنها أن تخلو من المقاهي. هذا بالإضافة إلى كون انتشار هذه الأخيرة قد تجاوز المدن ليصل إلى القرى وأحيانا إلى المناطق النائية التي تغيب عنها كل مظاهر الحضارة والتمدن.
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل عن مدى الأهمية التي تكتسبها المقاهي في حياة المواطنين. فالمقهى مكان للترفيه عن النفس، ومناسبة لتبادل أطراف الحديث، وفي بعض الأحيان فرصة للتعرف على أصدقاء جدد. ومع أول ظهور للمقاهي بالمغرب كان الرجال هم أصحابها وأسيادها بالدرجة الأولى والأخيرة، فلم يكن يصح للمرأة آنذاك أن تجلس بالمقهى وأقصد هنا بالتحديد المرأة أو الفتاة المغربية البسيطة أو التقليدية. فوجودها بالمقهى سبب كاف لإلحاق العار بعائلتها. ولا يهمنا هنا أن نعالج أو نتحدث عن علاقة المرأة بالمقهى وإنما كيف تحولت المرأة إلى مشروب يتهافت عليه الرجال داخل المقاهي؟
نعم.. فالمقهى التي كانت في الماضي فضاء للنقاش وللكتابة والقراءة والحديث عن أوضاع البلد وما إلى ذلك، أصبحت فئة كبيرة من زائريها اليوم ترتادها لحاجة في نفس يعقوب. هذه الفئة من الرجال تعتبر المقهى فضاء للترويح عن النفس وعن الرغبات المكبوتة أيضا. فبعض الرجال يذهبون للمقاهي من أجل أهداف معينة، على رأسها مراقبة النساء اللواتي تمر قبالة المقهى ومن هنا تبدأ الحكاية..
فالرجل الذي كان قبل قليل كارها للحياة، بسبب الديون، وفشل أبنائه الدراسي، ونكد أم العيال الذي لا ينتهي، وشكلها الذي لا يختلف كثيرا عن شكل “البالونة”، كلها أسباب توتر المسكين وتعكر صفو مزاجه. ولاشيء قادر على تعديل مزاجه سوى مراقبة الفتيات والنسوة التي تمر بجانب أو قبالة المقهى. فيبدأ الرجل باستخدام مهاراته النقدية ومستوى نظره الفظيع الذي يمكنه من التحليل والتدقيق. ويبدأ في ملاحظة جارته السمينة التي خسرت وزنا وصارت أجمل، وزميلته بالثانوية التي أصبحت أكثر بشاعة بعد الزواج، والحلوات اللواتي يفقدن توازنه فيصيح معاكسا، كل واحدة منهن بطريقته الخاصة حيث وفجأة تبدو له واحدة كالقمر، واحدة كالشمس، والأخرى كالبدر، وتنهال كل الكواكب دفعة واحدة في مخيلته المريضة.
ولا يصح أن نعاتبه طبعا فهو لم يرتكب ذنبا أو جريمة! وكل اللوم والذنب على النساء اللواتي يسلكن طريق المقاهي! وما العمل إذ تتحول كل المدينة بأزقتها وشوارعها وحاراتها مكانا للمقاهي؟
وهكذا يستغل البعض وجوده في المقهى من أجل التغزل والمعاكسة والملاحظة، في حين يستغني البعض الآخر عن طلب المشروب لأنه ارتوى مسبقا بما صادفته عيونه “المزغللة”، فتصبح النساء هن مشروبه!
لسنا نهدف من خلال ما ذُكر بأن نحط من قيمة المقهى كفضاء للقاء والتسلية، بل أردنا رصد صورة نعايشها كل يوم، وتجعلنا نأسف كل الأسف عن حال هذه الفئة من الرجال الذين لا يعرفون لمعراج الارتقاء بالذات من سبيل. ونأسف بشدة أكبر لأن المقهى أصبحت مكانا لشمشون الذي يصر على عدم المغادرة قبل حصوله على دليلة.