أخيرا اضطر حكام الدولة الجزائرية وبعد تكتم شديد وطويل إلى الاعتراف للشعب الجزائري بصعوبة الوضع الاقتصادي بالبلاد نتيجة التراجع الكبير لعائدات الغاز الطبيعي وهو ما أثر سلبا على الميزان التجاري وكافة مناحي الحياة بالبلاد.
وتنازل رئيس الحكومة الجزائرية عبد المالك سلال أخيرا عن مكابرته باعترافه بأن بلاده تمر بأزمة مالية صعبة راسما صورة قاتمة للاقتصاد الجزائري.
وظل سلال على مدى أشهر يدافع عما يسميه الاقتصاد الوطني مقللا من أهمية تقارير وتصريحات محلية ودولية أكدت أن الجزائر على حافة انهيار مالي مع تراجع إيراداتها النفطية بشكل حاد.
ويبدو انتعاش أسعار النفط المورد المالي الوحيد للجزائر الأمل الوحيد لاستعاد الاقتصاد الجزائري توازنه، لكن المعارضة ترى أيضا أن رحيل النظام الحالي يمكن أيضا أن تساعد على عودة الاستقرار المالي.
وتتهم أطياف المعارضة الجزائرية النظام السياسي الحالي بأنه سبب الأزمة وأنه تميز فقط باستشراء المحسوبية والفساد.
وأعلن سلال يوم الأحد، بحسب وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية وصحف محلية أن بلاده تقاوم جيدا السياق الاقتصادي الصعب في ظل تراجع مواردها المالية بأكثر من النصف.
وقال رئيس الوزراء الجزائري صراحة خلال اجتماع “الثلاثية” وهو اجتماع يضم الحكومة والمركزية النقابية ومنظمات أرباب العمل “أقولها دون ديماغوجية، الوضع صعب والعوائق حقيقية والغد غامض إلا أن الجزائر تقاوم جيدا”.
أرقام مفزعة
وأوردت وكالة الأنباء الجزائرية تصحيحا لأرقام مفزعة ذكرها سلال خلال الاجتماع حين أشار إلى أن احتياطات الجزائر من العملة تراجعت من 143 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2015 إلى 106 مليارات دولار في الأشهر الأولى من 2016.
وذكرت الوكالة أن الاحتياطات النقدية تراجعت بنحو 6 مليارات دولار فقط لتستقر عند 136 مليار دولار وليس كما أعلن رئيس الحكومة 106 مليارات دولار.
ورغم هذا التصحيح فإن كل المؤشرات تؤكد أن الجزائر التي راكمت احتياطات مالية ضخمة في سنوات طفرة أسعار النفط بدأت بالفعل في استنزاف تلك الاحتياطات.
وقدّر عجز الميزان التجاري في 2015 بنحو 13.7 مليار دولار، بسبب تراجع الإيرادات النفطية بنحو 40 بالمائة لتبلغ 37.7 مليار دولار بينما بلغ حجم الواردات 51.5 مليار دولار، بحسب بيانات رسمية.
وتعتمد الجزائر بشكل مفرط على إيرادات الطاقة ما جعلها من بين الدول النفطية الأكثر تأثرا بالأزمة الناجمة عن انهيار أسعار النفط منذ يونيو/حزيران 2014.
واضطرت للسحب من احتياطاتها النقدية لمواجهة العجز في الموازنة، بينما يضغط تراجع أسعار النفط بشدّة على ماليتها العامة.
وكانت احتياطاتها المالية في العام 2013 في حدود 194 مليار دولار وارتفعت في 2014 إلى 195 مليار دولار قبل أن تنخفض في نهاية 2015 إلى نحو 179 مليار دولار لتستقر في الربع الأول من 2016 عند 143 مليار دولار ولتنخفض مجددا إلى 136 مليار دولار في الربع الثاني من العام الحالي، في انخفاض يعكس منحى تنازليا استنزافيا لتلك الاحتياطات بفعل الصدمة النفطية وفي ظل غياب موارد بديلة للنفط تغطي جزء من تراجع الإيرادات.
وأكد سلال أن الجزائر تعاني بعد سنتين كاملتين على بداية تهاوي أسعار النفط السريع من تراجع مواردها المالية بأكثر من النصف غير أن “الجزائر تقاوم رغم هذا السياق الصعب وتطوره غير الواضح”.
واعتبر أن هناك مؤشرات إيجابية على إمكانية تحسن معدل النمو في الجزائر على الرغم من الوضع الصعب.
وأشار سلال إلى أن دولا غنية لجأت إلى مضاعفة أسعار الوقود والكهرباء والماء وتقليص الدعم الاجتماعي وإحالة الموظفين إلى البطالة التقنية بسبب تدهور أسعار النفط.
وتبدو هذه المقارنة بين تلك الدول والجزائر محاولة لتهيئة الجزائريين لإجراءات تقشف قد تتخذها الجزائر لمواجهة الأزمة المالية.
وفيما يشبه لغة “المؤامرة” قال سلال “راهن البعض على زعزعة سريعة للجزائر وفر آخرون من السفينة كي لا يحاسبوا على غرق كان يبدو لهم حتميا”.
وأشاد بما اعتبرها “حكمة الشعب الجزائري وعبقريته الذي رفض دائما خطاب الخوف والهلع والمغامرة السياسية والذي أكد في كل مرة خياره من أجل الاستقرار والتنمية وثقته في الرجل الذي فوضه بكل سيادة لتسيير البلاد”، في إشارة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وبحسب صحف محلية ناقش سلال مع ممثلي المركزية النقابية وارباب العمل الملفات الاجتماعية والاقتصادية من ضمنها النموذج الاقتصادي الجديد للتنمية للفترة 2016 – 2019 وتقييم العقد الاقتصادي والاجتماعي وكذلك منظومة التقاعد. والنموذج الاقتصادي الذي تحدث عنه سلال هو التنمية والاستثمار خارج قطاع النفط من أجل تنويع مصادر الدخل وتقليص التبعية لإيرادات الطاقة.
واعتراف رئيس الحكومة الجزائرية بالوضع الاقتصادي الصعب يأتي بعد أيام من عزل الرئيس بوتفليقة لمحافظ البنك المركزي محمد لكصاسي على إثر ضغوط شديدة للكتلة البرلمانية للحزب الحاكم التي حملت لكصاسي المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية.
وكانت البيانات التي يصدرها البنك المركزي تتناقض تماما مع ما تعلنه الحكومة وما تسوقها من تطمينات من حين إلى آخر.
وليس معلوما ما إذا كان هو السبب وراء عزل لكصاسي أم أن الأمر مجرد هروب للأمام بتقديم شخص لا علاقة له بالتدهور الاقتصادي كبش فداء لحجب فشل منظومة كاملة اقتصادية وسياسية تتكشف مكامن إخفاقها يوما بعد يوم كلما ضاق الخناق المالي على الجزائر.
الناس-وكالات