زكية حادوش
يوم الجمعة، نزل خبر خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي كالصاعقة. واستقال الوزير الأول البريطاني “ديفيد كاميرون” مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء الذي حسم بنسبة 52 بالمائة من الأصوات لصالح الخروج أو كما أصبح متداولا “البريكسيت”.
كاميرون الذي لم يكن مضطراً للاستقالة وفقا للقانون اختار، وهو المدافع المستميت عن البقاء، الحفاظ على ماء الوجه وصرح بأنه لا يستطيع بعد أن صوت الشعب لصالح الخروج من الفضاء الأوروبي أن يقود البلاد إلى وِجهتها الجديدة.
امتدت تداعيات نتائج الاستفتاء الشعبي البريطاني إلى القادة الأوروبيين جميعا الذين بادروا على عجل إلى التشاور فيما بينهم وإلى عقد اجتماعات أو مجالس حكومية طارئة، كأنهم استبعدوا فرضية هذا الخروج المدوي منذ البداية ولم يتوقعوا أصلا تلك النتيجة…
فضلا عن ردة الفعل السياسية تداعت الأسواق العالمية لهذا القرار، حيث تهاوت مؤشرات البورصات وتراجع الجنيه الإسترليني أمام العملات الأخرى إلى أدنى مستوياته منذ 1985.
لا غرابة أن يخضع الجميع لإرادة الشعب المعَبّر عنها عبر للاستفتاء، فقواعد الديمقراطية التمثيلية الحقة هي كذلك، لكن الطريف هو تعليق وسائل الإعلام على الظروف “الطبيعية” التي مر فيها الاستفتاء، حيث أغرقت الأمطار شوارع العاصمة البريطانية وأعاقت حركة السير وتعطلت المصاعد يوم التصويت، ومع ذلك عرفت المشاركة رقما قياسيا تجاوز 80 بالمائة. ويوم الإعلان عن نتيجة الاستفتاء سطعت الشمس من جديد على نهر “التيمز” كمؤشر حسب المعلقين المناصرين “للبريكسيت” عن مساندة الطبيعة لقرار الشعب!
أكبر فائز في هذه المعركة التي استمرت لشهور وقسّمت البلاد إلى معسكرين هو “نايجلفاراج” قائد مناهضي البقاء في “الحضن” الأوروبي، وقد صرح محتفياً بالنتيجة بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو القرار الصائب ضد “التبزنيس الأكبر”!
إذاً، بعد أربعين سنة من الانتماء المتردد إلى الاتحاد الأوروبي تخرج القوة “الإمبراطورية” بكل ثقلها منه، مزعزعة وثوقيات عديدة ومغيرة حسابات كثيرة ليست فقط اقتصادية في القارة العجوز وعبر العالم.
فهل هو خروج من “الجنة” كما روج أنصار البقاء في الاتحاد أم هو خروج من الورطة وفق مؤيدي الخروج؟
المهم هو أن العد العكسي قد بدأ لمحاولة الحفاظ على الكيان الأوروبي من “الغواية” البريطانية التي قد تدفع دولا أخرى إلى الخروج، من جهة، وكذا لإعادة بعض الاستقرار إلى السوق العالمية المالية منها وغير ذلك، من جهة أخرى.
والمهم أيضاً أن تداعيات قرار الخروج ستتوالى في القادم من الأيام والأعوام وستقلب الخارطة الجيوسياسية رأساً على عقب في ذلك الجزء الذي لا يستهان به من الكرة الأرضية.
أما الأهم فهو أن المملكة المتحدة، عبر اختيار الاحتكام والامتثال لإرادة الشعب، قد خرجت من النفق.