زكية حادوش
لست كائناً فيسبوكياً، لكن ما يشد انتباهي في شبكات الاتصال (ولا أقول التواصل) الاجتماعي هي أنها مثل أي شبكة عنكبوتية افتراضية تسمح للملايين من الاختباء وراء أسماء مستعارة والتمويه على هويتهم وربما الخروج من شخصيتهم ليتقمصوا شخصيات أخرى أكثر إثارة، وأكثر جرأة. لذلك، تعجبني التعليقات الصادرة عن أبناء وبنات جلدتي خصوصاً عندما تذيِّل مادة منشورة في صحيفة إلكترونية أو تحت فيديو معين، لأن الرقابة الذاتية تغيب فيها بسبب الهوية المجهولة لصاحبها. وبالتالي تكون هذه التعليقات العفوية نوعاً من المؤشر الثقافي على العقلية السائدة.
في متابعتي للتعليقات على إحدى فيديوهاتي المنشورة (ولن أذكر فحوى الفيديو حتى لا أتهم بإفشاء أسرار الدولة!)، أعجبني تعليق عني بدارجتنا المعبِّرة: “هادي بعدا باينة عليها باك صاحبي!”…
صحيح، لن يعتبروني من “أولاد الشعب” حتى يروني واقفة مطأطئة الرأس أو مفترشة الأرض أمام “باب الجامع” أو “على باب الله” حسب تعبير المسلسلات المصرية.
أصبحنا، والحمد لله، مواكبين لسرعة العصر، متخصصين بامتياز في إصدار الأحكام بسرعة البرق. وبدل البحث بعمق داخل ذواتنا وخارجها لتكوين قناعات نختار الطريق السهل، طريق الحكم على المظاهر والتفكير الخفيف” أو “الفاست ثينك” على وزن “الفاست فود”. ولا تستفزنا الدعايات الاستهلاكية الموجودة في كل مكان من صندوق العجب إلى الضوء الأحمر في الطريق والتي تدعونا إلى عدم التفكير (لا تفكروا، فنحن نفكر نيابة عنكم ونختار لكم الأفضل!). لذلك، فقناعاتنا ليست راسخة، ما هو راسخ هي الدوغمائيات والأحكام المسبقة والوصفات الجاهزة والتوجس من “الآخر” ومعاداة الاختلاف. الاتصال في وقتنا سواء كان مباشراً أو عبر وسائل الإعلام الحديثة زاخر بالارتياب إلى درجة افتراض سوء النية في الآخر. من جهة، هناك كل من “مسك عليه الله” ومن ثم هو حسب هذا المنطق البسيط والتبسيطي من زمرة “باك صاحبي” ومن جهة أخرى هناك “أولاد الشعب” مع كل ما يرافق الفئتين من نعوت قدحية وتبادل الاتهامات… الخ.
من السهل أن ننصِّب أنفسنا من خلف أجهزتنا “الذكية ” قضاة افتراضيين مجهولين نحكم على الآخرين ونصَنِّفهم حسب مظهرهم إلى أبناء ذوات وأولاد شعب، كما لو أننا نلعب لعبة “رعاة البقر والهنود الحمر”. ولا نتموقع ولا نتموقف، أي لا نتخذ أي موقِف، ولا أقصد “الموقَف” الذي لا يقف فيه سوى أولاد الشعب حسب قضاتنا الافتراضيين، رغم أن الموقَف عدة أنواع وقد يقف فيه بعض علية القوم في انتظار ريع محتمل.
أحب اللون الرمادي في مسار تكوين القناعات، فحقيقتي ليست بالضرورة حقيقة بالنسبة للآخر، لكني أكرهه في المواقف، لأن فيه درجات متعددة، أو حسب شريط سينمائي أثار الجدل هناك خمسون درجة من الرمادي. أما الأبيض والأسود في المواقف فيتطلب اختيارا واحدا وشجاعة تنقص الراقصين على أكثر من حبل.
إن عدم اتخاذ أي موقف من قضية تهمنا يشبه إلى حد ما “وثنية” هذا الزمن. فبالعودة إلى التاريخ نجد أن الأصنام لم تكن واحداً بل متعددة وسبب التعدد هو خوف الإنسان التاريخي من الاختيار بينها… خوف في اللاوعي الجماعي يجعله يعتقد أن اختيار واحد منها قد يؤدي إلى غضب الآخر وبالتالي إلى “عقابه”.
وحدها القناعة التي ينجم عنها اتخاذ موقف تحسم الأمر، والتعدد الصحي هو التعدد داخل الوحدة. كما أن التنوع هو التنوع الحقيقي البعيد كل البعد عما نعرفه اليوم من سطو ثقافي مسلح على الحضارة الإنسانية عبر تعميم نموذج واحد والسحق الثقافي لكل ما عداه… نموذج “الفاست فود” حتى في تكوين العقل.
أن تكون ولد أو بنت الشعب ليس بالمظاهر بل بالقناعات والمواقف من أي قضية تهم الشعب، بكل كرامة وليس بالتسول (حتى وإن كان “كلاس”) الذي يحيلنا على الصور النمطية الملتصقة ب”أجمل بلد في العالم” من مناظر قلة ذات اليد المعروضة على السياح وفي الأشرطة الوثائقية والسينمائية الملغومة. أن تكون بنت أو ولد الشعب معناه أن تدخل في خانة “من تحسبهم أغنياء من التعفف”، وهم ينتمون إلى جميع الفئات الاجتماعية دون استثناء.
وإذا كان لا بد من التبسيط المخل بالمعنى ولا مفر من التمييز، من الأفضل أن نستعمل مصطلحات الجدات والأجداد، ففي كل طبقة ببلادنا هناك “أولاد الخير” المتعففين حتى وإن كانوا بالكاد يوفرون قوت يومهم، وهناك “أولاد الجوع” المصابون بداء فقدان القناعة المكتسبة وقانا الله وإياكم من هذا الوباء الفتاك بالبلاد والعباد!