نورالدين اليزيد
-1-
الفوضى الخلاقة التي يريدها الغرب لإعادة رسم خارطة شرق أوسط جديد تدخل مرحلة جديدة..
اليوم (الجمعة 15 يوليوز) يوقع هذا الغرب على لبنة أساسية في مشروعه هذا الهدّام..
أطراف إقليمية ودولية وعربية بالخصوص كانت تتوقع وتتمنى تغيير السلطة في تركيا التي لطالما قالت “لا” ضمنيا وعلنا للمخططات التي يديرونها في واشنطن وتل أبيب ولندن وإلى حد ما في باريس وبعض العواصم الأخرى لاسيما العربية منها…
هل سيهضم الشعب التركي المؤامرة ويركن في بيوته أم سيُحبط هذا التهور العسكري بخروجه إلى الشارع؟
أسوء ما يتمناه المرء لبلدٍ ما هو مجيء السلطة على ظهر الدبابة…
-2-
المظهر المذل الذي بدا عليه ضباط وعسكريون أتراك وهم في قبضة عناصر الشرطة يظهر للأسف الصورة المهينة التي يتحول إليها العسكري عندما يتخلى عن عقيدته العسكرية الشريفة التي تكسبه احترام العموم، وهي حراسة الحدود، ويتبنى عقيدة طغمة من كبار الضباط المبنية بالأساس على طموحات شخصية بعيدة كل البعد عن الشرف والمروءة..
العسكري يبقى شريفا ومحترما متى احتفظ لنفسه بمسافة عن السياسة والعكس صحيح حتى ولو استبدل الزي العسكري بآخر مدني بمبررات واهية ألبسها لبوس الديمقراطية تماما كما فعل الجنرال عبد الفتاح السيسي قبل أشهر فقط في أرض الكنانة..
إنها صور أكثر من معبرة..
عندما يتخلى العسكر عن الشرف يستحق الدوس بالنعال..
إنه درس مرير لكنه ضروري في زمن حكم الشعوب!!
-3-
تراجيديا محاولة الانقلاب على السلطة الشرعية من قبل العسكر في تركيا، وإن كانت استمرت لساعات فقط، إلا أن نتائجها ودروسها سيبقى التاريخ السياسي يَذكرها ليس فقط في بلاد الأناضول ولكن في كافة بقاع المعمور أيضا، وبخاصة على مستوى الضفة الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط، حيث البلاد العربية التي يربطها بأحفاد العثمانيين التاريخ المشترك رغما عن أنف حكام العرب…
أبرز تلك الدروس لخصها البيت الشعري العربي. .إذا الشعب يوما أراد الحياة// فلا بد أن يستجيب القدر…
قد ينجح العسكر لوقت من الزمن(ساعات أو سنوات) في اغتصاب السلطة من الشعب، لكن لن يستمر هذا النجاح طويلا ما دامت هناك إرادة شعبية تتحين فقط فرصة استجماع قوتها وكلمتها… وقتها لن ترعب البندقية ولا الدبابة أحداً…
-4-
الجنرال السيسي “يلقن” مجلس الأمن الدولي الدروس في الديمقراطية..
مصر “أم الدنيا” تستغل وضعها كعضو غير دائم العضوية بمجلس الأمن لتعرقل إصدار قرار يشدد على “احترام الحكومة المنتخبة ديمقراطيا في تركيا”، إلا أن ممثل مصر قال أمام كل القوى الممثلة في هذا المجلس الدولي إنه “لا يعود إلى مجلس الأمن تحديد ما إذا كانت الحكومة التركية منتخبة ديمقراطيا”..لينفض المجلس دون إصدار القرار…
الحاكم الجديد لبلاد الأهرامات يُعتبر الأتعس والأشد خيبةً من بين الناس في المنطقة والعالم بعد فشل الانقلاب في تركيا، وكم كان سيكون سعيدا في حال نجاحه؛ أولا لأن أردوغان لا زال يقولها صراحة له إنك “انقلابي” وبأنه مع الرئيس المنتخب القابع في أحد سجون السيسي، وثانيا لأن الانقلاب في تركيا كان سيخفف على السيسي كماشة الاتهام بالانقلاب الذي يلاحقه أينما حل وارتحل، من منطلق أن الانقلابات معمولا بها حتى في بلد أوروبي وعضو في الحف الأطلسي (ناتو) فلا ضير، بالتالي، أن يكون في مصر المحروسة..
-5-
هناك من الناس من وجد في بعض الصور المتناقلة من محاولة الانقلاب بتركيا والتي تظهر أشخاصا يُجلدون ويُعذبون بل ومنها ما بدا فيها من يَذبح رقاب بعض الانقلابيين -بغض النظر عن صحة الصور وبغض النظر عن رفضنا لكل عمل مشين ضد الإنسانية مهما كان المبرر- وجدوا في ذلك فرصة سانحة لمهاجمة تيار ديني -أو هكذا كما يَزعم ويُوصف- بل وتصفية حسابات بينه وبين هذا البعض من الناس الذين جعلهم حقدُهم وكرهُهم للتيار إياه ينسون أو يتناسون أبشع الجرائم وسجونَ العسكر المعروفين بها في كل بلد يحكمونه، ويضعون الجميع في سلة واحدة بل ويَبرعون في شتم وسبّ المدنيين جميعهم الذين خرجوا بصدور عارية لمواجهة انقلابيي تركيا ونعتهم بما ليس فيهم…
النظر لما قيل تصرفات “داعشية” في ما واكب محاولة الانقلاب في تركيا بكثير من الإصرار، على حساب رفض الانقلاب والوقوف إلى جانب السلطة المنتخبة ديمقراطيا، ربما يعني كذلك نوعا من الشيزوفرينيا لدى هذا البعض من الناس يرغمهم على عدم التوصيف الصحيح والدقيق لما يشاهدونه تحت تأثير وساوسِهم..
رفضُنا لاستغلال هذا التيار لعُنصر الدين قائمٌ وسيستمر دوما موقفاً وكتابةً، لكن ذلك لا يعني أننا في سبيل هذا الرفض نبيح لأنفسنا الوقوف إلى جانب التسلط أكان ذلك في تركيا أو مصر أو المغرب أو في أي بلد آخر..
-6-
دروس انقلاب تركيا كثيرة منها:
-لابد أن الحزب الحاكم ذا السحنة الملتحية، وإن كان غير ملتحٍ واقعا، تلقى الرسالة الملغومة المتوقعة وهو يكاد يُنقلب عليه، ومفادها أن الاستفراد بالسلطة وشيطنة الآخرين لا يضمن بقاءً أبدياً في السلطة ولا يكسبك تعاطف كافة الناس والمؤسسات إلا بالقدر الذي يستفيد منه المتحكمون في هذه المؤسسات وقد انضموا لزمرتك المستفيدة من المزايا، وأن وحده الانفتاح على كل مكونات المجتمع يمكنه أن يقي من أية رجة مثل التي وقعتها مجموعة صغيرة من الجيش ليلة الجمعة.
-حدس أردوغان ربما جاء متأخرا قليلا عندما سارع قبل أيام فقط إلى “الصلح” مع القيصر الروسي، والكيان الإسرائيلي، وإبداء رغبة مفاجئة للتقارب مع النظامين السوري والمصري، وإعادة التطبيع مع القوة الفارسية، بعدما بدا له سوءُ اختياره وهو الارتماء في مخططات “قوى” عربية ساذجة وغير ذات أهداف إستراتيجية ولكن فقط تتغيى الإطاحة بأشخاص من الحكم (السعودية مع النظام السوري مثلا)، وهذا ما جرّ على تركيا قلاقل أمنية كثيرة أولها التفجيرات الإرهابية وليس آخرها محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة.
-الظهور مرة أخرى بالعالم العربي للتيار المفلس أيديولوجيا وشعبيا بمظهر الذليل المنبطح والانتهازي الذي بات لا يهمه ترميم عقيدته المتآكلة وإصلاح ما يمكن إصلاحه فيها، بقدر ما أصبح أكثر تكالبا على موائد اللئام من العسكر حتى ولو تطلب ذلك تسمية الأمور بغير مسمياتها كأن ينعت كل ذي فكر مختلف بالإرهابي أملا في تبوءٍ وتسلقٍ وتزلفٍ إلى سلطة ما عادت إيديولوجيته المفلسة قادرة على إيصاله إليها..
-7-
في محاولة منها لإنقاذ ماء وجهها -إنْ بقي في وجهها ماء- ستسارع واشنطن لتسليم رجل الدين التركي المعارض، فتح الله غولن، لأنقرة اتقاءاً ودرءاً لأية شبهة لتورطها في الانقلاب بتركيا..
نستحضر هنا تردُّد أمريكا في إعلان رفضها للانقلاب بتركيا أثناء قيامه ونعت ذلك بمصطلحات فضفاضة تحتمل أكثر من تأويل..بالموازاة مع وصف سفارتها لدى أنقرة محاولة الانقلاب بـ”الانتفاضة” و”الثورة” قبل تصحيح ذلك فيما بعد ووصف ما يجري بالعمل المسلح..
واشنطن وغيرها من القوى الغربية كانت وستبقى ممتعضة ومتضايقة من سلطةٍ تُركِيّة غير تابعة ولا تمشي مع القطيع في منطقة مشتعلة اسمها “الشرق الأوسط”، يعمل الغرب جاهدا على إعادة ترسيمها، تارة بإذكاء فتيل الحروب المستعرة والمتأججة أصلا، وتارة بمحاربة كل تجربة ديمقراطية وليدة أو فتية..
بعد “الربيع العربي” الذي عرّى جزءاً كبيرا من عورته، يأتي اليوم الانقلاب العسكري ليُعري ما بقي مستورا من سوءة هذا الغرب المتناقض بل والمنافق..
https://www.facebook.com/nourelyazid