Take a fresh look at your lifestyle.

الثقافة ليست كتابا

0

منار رامودة

إن مفهوم الثقافة من المفاهيم التي قد يبدو جوهرها أو معناها الحقيقي مستعصيا على الفهم بالنسبة لمجموعة من الأشخاص، أو لنقل بأن كل شخص يرى مفهوم الثقافة من منظوره الخاص. وعموما يتفق معظم الناس على مبدإ أن المثقف هو من يقرأ عددا كبيرا من الكتب، أو هو ذاك الشخص الذي يحمل الشواهد العليا.  كما وأن المثقف لدى البعض الآخر، هو الشخص الذي يفوقهم إدراكا وعلما وخبرة حتى وإن اقتصر علمه هذا أو خبرته هذه في أمور لا تمت للثقافة بصلة.  فمثلا كم من حفيد يعتبر جده الذي لم يرتد المدرسة يوما هو نابغة العائلة الذي لن يتكرر بل هو المثقف الحكيم الذي قد يحل كل مشاكلك بجملة واحدة منه!  

ومن هنا، يتضح لنا كيف أن أغلبية الناس تنعت بعضها البعض بالمثقف دون إدراك حقيقي لمعنى الكلمة.  ولا يخفى علينا كون أن مصطلح الثقافة لا يمكن اختزاله في مفهوم واحد، إذ أن هذا الأخير يتشعب ليشمل كل من الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات.  بل يشمل أيضا الموروث التاريخي والحضاري والتقاليد والعادات.  ولذلك تجد المسافر إلى بلد أجنبي مجبرا على أخد فكرة ولو بسيطة على ثقافة وطبيعة البلد الذي سيقيم فيه.  

غير أن المفاهيم المختلفة والمتشعبة للثقافة لا تمنعنا من الاتفاق على كون أن المثقف هو الذي يتميز بخصال معينة يأتي على رأسها، رجاحة عقله وفطنته وذوقه الأدبي المميز في مختلف المجالات كالفن والعلوم الإنسانية وغيرها…

لكن ما يغفل عنه الكثيرون هو أن الشخص الذي يستحق لقب المثقف هو في الأساس من بفضل علمه ونبوغه الشامخين صاحب ذوق وأخلاق . فتراه متواضعا، مسالما، متقبلا للرأي الآخر، مستمعا للجميع على حد سواء، مبتسما في وجه طالبي العلم مهما اختلفت مستوياتهم العلمية والأدبية.  بل هو قبل كل شيء من تنعكس ثقافته على سلوكياته ومعاملاته مع الآخرين , فلا تجده يعيب على الآخرين جهلهم ولا يستنقص من قيمتهم.

إن من يستحق لقب المثقف ليس من يكرس جل وقته في الحديث عن منجزاته وعظمته وخبرته مستصغرا بذلك ما دونه من البشر، بل إن المثقف هو الذي يتميز برحابة الصدر، وبحب المشاركة وتشجيع الآخر على نيل العلا.  أما من يقضي وقته يفتخر بذاته لمجرد قراءته لمائة أو ألف كتاب أو لاعتقاده بأنه الوحيد الناجح في هذه الحياة فلن يترك أثرا لأن أثره سرعان ما ستمحيه الرياح تماما مثلما تمحو الأمواج آثار الأقدام على رمال الشواطئ.

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.