*د.محمد غاني
تظهر قيمة التسامح عندما يشتد الهرج والمرج بسوق النزاع، ولذلك خصص فيلسوف المدرسة النقدية بفراكفورت راينر فورست كتابا كاملا للتدليل على الارتباط المفصلي بين مفهومي التسامح والنزاع وسمه بـ”التسامح في النزاع”، يرى فيه أن”التسامح الذي يستوجبه النزاع لا يحل هذا النزاع، بل يعمل فقط على تسييجه والتخفيف من حدته، أما تناقض القناعات والمصالح والممارسات فيظل قائما، لكنه يفقد،نزولا عند اعتبارات معينة، طاقته التدميرية ويعني عنوان الكتاب بأن الفرقاء في نزاع ما ينتهون إلى اتخاذ موقف متسامح من بعضهم بعضا، لأنهم يرون، بأن أسباب الرفض المتبادل تقف حيالها أسباب أخرى للقبول المتبادل، وحتى وإن كانت أسباب القبول المتبادل لا تسمح بتجاوز أسباب الرفض، إلا أنها تتحدث لصالح التسامح، بل وتطالب به.
إن وعد التسامح يقول بإمكانية التعايش في ظل الاختلاف”1.
عندما نتجول بسوق القيم في عصرنا الراهن نجد نقصا في قيمة و أثمنة كل ما يشعل فتيل النزاع من طائفية و تقسيم و تشرذم مما يحيلنا بصفة تلقائية ، لمن يخبر قانون العرض والطلب، على ارتفاع قيمة التسامح في عصرنا الراهن، لكن و يا للأسف تغلفت هاته الجوهرة بغبار الغفلة حتى أضحى الجري وراء المصالح دون تقيد بالقيم عين التعقل، و أصبح التهافت وراء كنوز الأرض دون ضوابط ذات الحصافة و الحكمة.
لا غرو أن العود إلى الترويض الروحي لنزعاتنا ورغباتنا التي لا تكاد تنقطع بات ضرورة لا مناص منها، وهذا من صميم طبيعتنا الإنسانية لنتشبث بالحياة و نسعى لإثرائها بمختلف أنواع الإبداعات الخلاقة انطلاقا من استثمار موارد الأرض والسماء، لكن في نفس الآن دون مروق من الفطرة أو هروب من الضمير أو جهالة ونسيان للأسماء التي علمها الإله لآدم حيث يذكرنا القرآن الحكيم بأن الله علم آدم الأسماء كلها، والتي لا يخرج معناها في نظرنا عن القيم الروحية التي بثها الحق في ضمير كل إنسان مؤمنا كان أو غير مؤمن، ولذلك يتحدث كل إنسان من أي حضارة قدم عن مفهوم تأنيب الضمير، لذلك فكل إنسان له غرس في أرضه عليه الاعتناء به وتنميته حتى يخضر ويشتد و يستوي على سوقه يعجب الزراع2، وهو ما عبرنا عنه في عنونة المقال بالترويض الروحي.
إن مثل الجري وراء المصالح كمثل ركوب فرس جموح تجري دون ترويض لذلك فلا يمكن التنبأ بعواقب سعيها، من هنا تتبدى ضرورة ترويض جري الأفراد والمؤسسات والدول وراء مصالحها في احترام للمواثيق الدولية والقيم العليا التي تشترك حولها الأديان.
لا شك أن التسامح سلعة غالية إن وضعت في محلها رخيصة إن تغلفت بغبار الغفلة، ولا مندوحة من أن القيم الأخلاقية العليا “أسماء كلها” غرسها الله في الذاكرة الأصلية للإنسان3، حتى تكون صوتا للحق يتعالى صداه بداخله كلما غفل عن طريق الصواب.
*باحث في الأكسيولوجيا والديونطولوجيا
الهوامش
1، راينر فورست، فيلسوف التسامح، موقع مركز السلام للثقافة الديبلوماسية .
2، جاء في وصف المؤمنين من المسلمين في الإنجيل بأنهم”كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع” انظر أواخر سورة الفتح من القرآن الكريم.
3، يسمي د طه عبد الرحمن في كتابه روح الدين الفطرة ب”الذاكرة الأصلية للإنسان”.