زكية حادوش
الحمد لله أن ما يمنعني من مغادرة التراب الوطني بدون رجعة ليس حكماً قضائيا ولا نقصاً في المادة ولا حتى “قلة النفس” التي يجب أن يتحلى بها كل من يريد أن يعيش مرتاح البال على نفسه وأهله ولا يحمل هم هذا الوطن، لأنني اكتشفت أخيراً علاجاً “للنفس الحارة” يباع في الصيدليات وبوصفة طبية عادية!
ما يمنعني الآن من “تبديل ساعة بأخرى” رغم كل ما يحدث لي هي أولاً جذوري المنغرسة رغما عن أنفي في هذه التربة، ثم الأحداث المتلاحقة التي جعلت جواز سفرنا الأخضر يثير الارتياب – إن لم أقل أكثر من ذلك- في مطارات نصف الكرة الأرضية. أما إذا “زغبنا” الله وتحدثنا بلغتها خارج الحدود فقد نتعرض لخلع حذائنا ولتفتيش كل ركن من أجسادنا وعرض ملابسها الداخلية على الملأ، وقد أتلقى في الدول “الشقيقة والصديقة” على حد سواء دعوة صريحة ليس للمثول أمام المحكمة ولكن للمثول عارية مقابل عملة محلية ما. حصلت هذه المواقف مراراً معي وأنا متأكدة أنها تحصل مع من يحملون جواز سفر مثل جوازي، والفاهم يفهم.
غالباً ما تبدأ الأمور عادية، فليس مكتوباً على جبيني أني مغربية، لكن ما أن “يفتضح” أمري حتى أجدني في مواقف غريبة تجعل أحداً غيري ينكر أصله و”ملته”، لكني عادة ما أنهي الأمر باعترافي بأني “مروكية” ولا أستحيي من كوني كذلك، كما لا ألوم نفسي ولا سلطات بلادي التي سلمتني ذلك الجواز “المشبوه” ولا حتى أغلبية مواطني هذا البلد الذين يحملون جواز سفر “حده طنجة”!
اللوم كل اللوم يقع على أولئك الذين يمثلون صورتنا في الخارج حتى وإن كان رابطهم بنا يعود إلى جدهم الأكبر… اللوم يقع على من شوهوا ديننا وجعلوه مرادفاً للتطرف والتقتيل، واستأصلوا عقولهم وعقول أتباعهم وزرعوا مكانها لحية وكومة أثواب.
اللوم كل اللوم يقع على من يمثلوننا بشكل رسمي. وبغض النظر عمن يمثلون بلادنا بصفة دائمة ويحملون جواز سفر لونه أحمر، هناك من يذهب في “مهام” خارجية مدفوعة الثمن كلياً من أموال الشعب المغربي ولا يشعر بجسامة مسؤولية تمثيل بلاده، فقد يعتبر هذه السفرية مناسبة لقضاء مآربه الشخصية، وقد يذهب “مبهدلا”، أو لا يستفيق من سكره طيلة “المهمة الرسمية”، أو يحضر اجتماعا مصيريا -إن حضر- ولا ينفك يدردش على هاتفه النقال أو يخطط لسهرة ما بعد الاجتماع! ومنهم (منهن) من لا يفارق محلات التسوق منذ وصوله حتى مغادرته (وأرجو ألا أتهم بتكريس الصور النمطية من طرف المدافعات عن حقوق المرقة!) … وأغلبهم يستغل الفرصة “للمسارية” على ظهر دافعي الضرائب المغاربة.
هناك أيضاً من يسافر في إطار بعثة مغربية محسوبة علينا ولا يضبط نفسه، قد يتبول في الشارع العام وقد يتحرش بالنساء كما حصل أخيراً مع الوفد الرياضي الذي طرد من السويد بسبب تحرشه بقاصرات سويديات.
والأدهى، هناك من لا يحرك ساكنا ويصاب ب”الساكتة المسكوتة” بخصوص الحكامة وحقوق الإنسان هنا وما أن يصبح خارج الحدود حتى تنحل عقدة لسانه فيبدأ بكيل التهم والتشهير ب”غياب” حقوق الإنسان في بلاده. فأي شجاعة أكثر من الاحتماء بالغير وانتقاد البلاد خارجها! وضربها بسكتة في الداخل، خصوصاً عندما نرى الفساد يعم البر والبحر وحتى الجبل!
“الله يأخذ الحق” في كل من شوه صورة البلاد سواء بسلوكه الهمجي الذي يتنافى وحضارة تمتد لقرون، أو بنفاقه أو بفساده أو حتى بسلوكه الصبياني. وبدل محاكمة الصحافيين الذين يقومون بواجبهم في تقييم وتقويم الشأن العام، ومعاقبة من يفضح هذه الأفعال المشينة المسيئة لصورة بلادنا وشعبنا، ينبغي التنصيص في القانون الجنائي على تهمة حقيقية اسمها: تشويه صورة وسمعة المغرب وتشديد العقوبة على مقترفيها!
أما “الشوهة” الكبرى فهي شوهة من “يخدمون الدولة” وهم في الحقيقة “يخدمون الشعب”، وحسب التعبير الشعبي “خدمونا بالمعقول”! لكن هذا حديث ذو شجون وأشجان مقامه مقال آخر.