مواطن من المدينة
إذا كنت في المغرب فلا تستغرب هذه المقولة لكثرة تداولها ترسخ الإيمان بها، ورغم أننا كثيرا ما نحاول إقناع أنفسنا بأنها مقولة خاطئة إلا أن ما نشاهده ونصادفه في حياتنا اليومية يؤكد صحة هذه المقولة .
“الكريساج” في المغرب ليس فقط ذلك الشخص الذي يحمل سيفا أكبر من طوله يهدد به المارة ليسلبهم ممتلكاتهم، بل هناك أنواع من “لكريساج” غير المرئي يتعرض له المواطن يوميا حيث تعتمد أساليب النهب والسرقة من جيوب المواطنين جهارا نهارا وبعلم ” الدولة ” دون أن تتحرك لمواجهة هذه الأنواع من ” لكريساج “.
وهنا نقدم نموذجا بسيطا رغم أن النماذج متعددة حتى في الإدارات المغربية التي هي مؤسسات الدولة التي تحكمها قوانين.
وبالتالي القانون هو أكبر غائب ما يجعل ” لكريساج ” ظاهرة عامة متشعبة ومركبة …
يستغل أصحاب سيارات الأجرة الكبيرة فرصة العيد لفرض زيادة على المسافرين من جرادة إلى وجدة أو العكس وهي زيادة تبدو غريبة بعد الزيادة التي لم تمر عليها بعض الأشهر، ألا يعتبر هذا نوعا من ” الكريساج ” الموجه إلى جيوب المواطنين البسطاء الذين ليس لهم وسيلة نقل سوى وسائل النقل العمومي؟
ومن الغريب أنه تستغل المناسبات الدينية بالخصوص والأوقات الحرجة كالعطل وفترة الصيف لتتم عملية ” كريساج ” آخر حيث يفرض على المسافرين في الغالب طلبة وموظفين ومواطنين عاديين زيادة بدعوى أن هذه المركبات لن تجد مسافرين للعودة بهم إلى وجدة وهي مجرد ذريعة لا تنسجم مع رخصة النقل المسلمة للمعني بالأمر والتي تخص نقطة الانطلاق فقط وليس نقط العودة .
وللأسف تحصل مشاداة بين أصحاب السيارات والمسافرين حول هذا الاستغلال الذي لا مبرر له ، يتفرج عليها بعض أفراد من الشرطة أحيانا دون أن يقوموا برفع تقرير حول هذه الظواهر إلى الجهات المعنية لأنها تتعلق بانتهاك لأمن المواطن وسلامته من جميع أنواع الاعتداء سواء البدني والمعنوي ، أليس فرض ضريبة غير قانونية على المسافر تعد اعتداءا عليه ، وما دور الأمن إذا لم يلزم المعتدي بالالتزام بالقانون ، فهل مثل هذه الفوضى والتلاعب نجده في الجارة اسبانيا التي لا تبعد عنا إلا ببعض الكيلومترات ، ورغم كل الاحتجاج الحاصل حول هذه الظاهرة التي أصبحت تتوسع بشكل رهيب فان حضور الدولة والقانون هما اكبر الغائبان ما يفتح المجال إلى مزيد من الفوضى ومن النهب ومن ” الكريساج ” وما على المواطن إلا أن يتجرع المرارة …
وبالمناسبة مهاجرين مغاربة يعيشون في بلاد المهجر قضوا أكثر من ثلاثين سنة لم يصادفهم مثل هذا ” الكريساج ” الذي يلاقونه ببلدهم الأم ، لا لشيء سوى أن بلاد المهجر الكل يحترم القانون ويلتزم به في حين أن العكس الذي يقع في المغرب حيث تصبح الأعراف اكبر من القانون وتصبح كل فئة تشرع لنفسها خارج السياقات المعروفة وكأنه ليس هناك دولة ولا برلمان ولا حكومة ولا جريدة رسمية ولا قنوات إعلام …
لهذا ليس كل الذين ” ركبوا قوارب الموت ” من المغاربة دفعهم الجوع إلى ذلك ،وإنما هناك شيء آ خر هو الكرامة ، الكرامة التي يجدونها في بلاد المهجر ولا يجدونها في بلدهم الأم ، الكرامة التي يضمنها القانون من خلال الالتزام به واحترام المساواة بين جميع أفراد المجتمع …
وهذا ما لا يتوفر هنا لهذا ليس من السهل أن تقنع المواطن بالانتخابات وهو في قرارة نفسه يشعر بالإهانة والإحباط الذي يتوسع فتكبر معه الفئة الصامتة غير المبالية بالعمليات السياسية ، فالطبقة الوسطى والضعيفة هي التي تؤدي الضرائب وهي التي تؤدي فاتورات الماء والكهرباء وهي التي ستؤدي اختلالات الصناديق من جيوبها وسنوات من حياتها هي التي تتجرع المرارة مع الإدارات المغربية ومع الصحة والنقل … فيكبر الإحساس ب ” الحكرة ” وحتى الكراهية والأمراض النفسية … عندما لا تكون المساواة وعندما تنتشر الفوضى والظلم …للأسف في بلاد المهجر ليس هناك دعاية للانتخابات والمغاربة يشاركون فيها بل هناك من أصبح يتحمل المسؤولية في فرنسا وهولندا وبلجيكا وألمانيا … مثله مثل أي مواطن آخر لأن المسؤولية مبنية على خدمة الوطن/الدولة وليس استغلال الوطن / الدولة
كيف يمكن إقناع المواطن بجدوى الانتخابات لدى الطبقة الوسطى والشباب … وهي أكثر الفئات التي تعاني من هذا الفراغ القانوني ومن هذه الفوضى ، أما ” خدام الدولة ” الذين شاء ” القانون المغربي ” الحاضر الغائب !!! أن يوفر لهم الامتيازات الخيالية من سكن ونقل وخدم وسائقين ورفاهية فهم يتنقلون في السيارات الدولة التي أصبحت مثل ملك شخصي ، ويسكنون منازل الدولة ، ويتمتعون بحياتهم على حساب الدولة فهم بعيدون ولا يعرفون حجم المعاناة و” الكريساج ” الذي يتعرض له المواطن البسيط من طلبة وموظفين…
وأخيرا حتى لا يكون لمقولة ” إذا كنت في المغرب فلا تستغرب ” على الأجيال القادمة أن تنتظر طويلا حتى تنتهي أنواع من ” لكريساج ” غير القانوني ، وحتى تتحقق دولة الحق والقانون سيظل هذا حلما نتمناه لتلك الأجيال ، فرغم كل السنوات التي مرت بعد الاستقلال لا تزال الكرامة الإنسانية لم تستوفي شروطها…