منار رامودة
يقول المؤلف الإيرلندي الشهير “جورج برنارد شو” ” احذر من العلم الزائف، فهو أخطر من الجهل”. والحقيقة أن مقولته هذه تحمل في طياتها الكثير من الصواب، إذ أن الحالة المأساوية التي بتنا نشهدها داخل قطاع التربية والتعليم، والوضع المزري داخل الأقسام والمؤسسات ليس فقط نذير شؤم بل حقيقة نحاول جاهدين تغطيتها بالغربال! لكن المشكل هو أن الغربال فاضح وتدهور مستوى أبنائنا التربوي والتعليمي خير دليل على ذلك.
ومن الجدير بالذكر، أننا حين نعاتب ما آل إليه قطاع التربية والتعليم فإنه بسبب التدهور الفكري والثقافي والتربوي لأبنائنا وبناتنا، وبسبب تخوف الآباء والأمهات على مستقبل أطفالهم.
إن ما نعاتب عليه هو المنهجية الخاطئة التي تربينا عليها جميعا وسرنا على خطاها طوال هذه السنين ومازلنا للأسف الشديد نصر على تتبعها.
إنها منهجية حشو العقول، والاكتساب السطحي للمعلومات، والاكتفاء بنقل الدروس وحفظها عن ظهر قلب.
إنها منهجية التنافس من أجل النجاح وليس من أجل الارتقاء بالذات وتثقيف النفس وتهذيبها. ومن منا لم يسهر الليالي فقط لمجرد الحصول على ورقة تمكنه في نهاية المطاف من الاستجمام على كرسي البطالة باعتزاز أكبر !
إن قطاع التعليم هو القطاع الذي عليه أن يحظى بقدر أكبر من الاهتمام لأن من خلاله إما تتعاقب أجيال مسؤولة، واعية يعتمد عليها أو أجيال تافهة، حاملة لشواهد الجهل والتخلف.
إن قطاع التعليم الذي لا يحظى فيه المعلم بكرامته، والذي تغيب عنه أصول التربية وفلسفة التعليم، والذي يتساوى من خلاله المعلم بالتلميذ -فلا الأول نال احترامه وتقديره ولا الآخر تربى على أن يكون أكثر وعيا ومسؤولية – هو بدون شك لن يؤتي أكله، ولن يجني ثماره مهما حبلت الأشجار بالثمار.
ولكن كيف نطلب من التلميذ أن يكون أكثر مسؤولية في حين أنه قضى معظم عمره مقتنعا بأن المدرسة هي مكان “لطفح” المعلومات و حفظها من أجل هدف واحد ووحيد هو النجاح والمرور إلى مستوى دراسي آخر.
إن هذا التلميذ الذي يلعب هو الآخر دورا في تردي التعليم ببلدنا، عاش جاهلا لمبدإ أن التربية هي تربية ضمائر، وبأن العلم لا يحصر في مواد مقررة مكررة لا استفادة جديدة فيها، وبأن المدرسة هي أولا وأخيرا مكان للتربية قبل التعليم.
ولا يخفى علينا أن هناك العديد من الأسباب الأخرى التي ساهمت في تدهور التعليم، ومنها على سبيل المثال المناهج المختلفة التي يفرضها كل مسؤول جديد على قطاع التربية والتعليم كالعشرية والطريقة الكندية وغيرها..الشيء الذي يضع المعلم داخل متاهة، لأن كثرة هذه المنهجيات تجعله أكثر عجزا وفشلا في ممارسة مهنته. ناهيك عن التلاميذ الذين لا حول لهم ولا قوة والذين هم في مجال التعليم ليسوا سوى فئران للتجارب.
إنه من الغريب حقا أنك إن وليت وجهك يمينا أو شمالا ستجد أن القطاع يعاني من مجموعة من المشاكل والإرهاصات، بل يفتقر للانضباط وحزم الأمور. فكيف يعقل أن يصبح معلم لمادة العربية أو الفرنسية أو الاجتماعيات مديرا دون أن يخضع لتكوين إداري، يتعلم من خلاله كيفية تسيير مؤسسة بأكملها؟
إننا نجهل بإدراك تام مدى خطورة الوضع التعليمي والتربوي ببلادنا، ونكتفي بمجرد التذمر ونبدع في خلق حلول مستقبلية بعيدة المدى.
من واجبنا جميعا أن نساهم في تحسين القطاع وأن نبادر من أنفسنا بداية بتوعية أبنائنا وبتوفير الظروف المناسبة للمعلم لكي يقوم بواجبه على أحسن وجه، وبأن نتفادى المقررات الطويلة واتباع المنهجيات التي لا نفع لها وبأن نعمل جاهدين على جعل المغرب قدوة في مجال التعليم عوض أن نتبنى كل سنة منهجية بلد لا نشبهه ولا يشبهنا. أما إذا استسلمنا للأمر فلنكن على يقين بأننا سنفضل في الألفية المقبلة أن يكون أولادنا جهلاء على أن يكونوا من تلاميذ التعليم الأعرج.