زكية حادوش
نظمت الرابطة المحمدية للعلماء يومي خامس وسادس شتنبر الجاري المنتدى الأول للعلماء الوسطاء حول الوقاية من التطرف العنيف. استوقفني في تسمية المنتدى مفهومان: “العالِم الوسيط” ثم “التطرف العنيف”. لكن سرعان ما وجدت في الورقة التقدمية للقاء شرحا للمفهوم الأول، إذ يقصد بالعلماء الوسطاء “مختلف العلماء الشباب، خريجي المعاهد والمؤسسات الدينية أو المؤسسات ذات الصلة بها. وسمي هذا الفاعل الاجتماعي عالما وسيطا لأنه يشكل حلقة وصل بين علماء الرابطة المحمدية للعلماء وعموم المواطنين، حيث يعمل على توجيههم وتثقيفهم درءا لكافة أوجه الانزلاق إلى السلوكيات الخطيرة أو الاختراق من قبل المذاهب والتوجهات الهدامة، استنادا إلى أساسات الشرع الحنيف والقيم الإنسانية الكونية المجمَع عليها.”
على الأقل، يمتاز هذا الخطاب بالوضوح لأنه يدقق مصطلح “العالِم الوسيط” ويبين دوره وأسباب نزوله إلى معترك الحياة العقائدية والسلوكية للمجتمع في هذا السياق الدولي والإقليمي والمحلي الذي تعرفون. لكن النزول كما تعرفون كذلك “فيه ما فيه”. فالشأن الديني صار يشبه إلى حد كبير حقل ألغام، قد ينزل فيه البعض بالمظلة وقد يرمى فيه البعض رمياً بحكم موقعهم والدور المنتظر منهم في هذا الباب، وقد يلقي البعض الآخر بنفسه فيه عن طواعية ابتغاء مصلحة فردية أو جماعية. بعبارة أوضح، دائماً ما يجرنا الحديث في الشأن الديني في هذا البلد إلى الحديث عن آفات وعاهات وعورات مجتمعنا ومواطنينا دون أن نكون مستعدين للخوض في هذه المعمعة. فمن جهة هناك ثوابت من قبيل إمارة المؤمنين والمذهب المالكي تعمل على تأطير هذا النقاش وهذا الحقل، ومن جهة أخرى هناك “انزلاقات” ومحاولات اختراق من طرف مذاهب دخيلة تسعى إلى زرع بذور الشقاق، مع العلم أن هذا المجال بالضبط محاط بالمسكوت عنه والرقابة الذاتية والنفاق أحياناً.
الأخطر في الأمر، هو أن الطرف الثاني من المعادلة أي “المزعزِعين” هم متعددو المشارب ما بين “التشيع” و”التوهب” وما بينهما، وهم من مستعملي أحدث تقنيات احتلال المجال الرمزي. لذلك، فمن المفروض أن يتسلح الطرف الأول بنفس سلاحهم، إن لم نقل بسلاح أقوى لاحتواء خطاباتهم عبر تفكيكها وتحليلها في المهد قبل أن تتحول إلى قناعات متطرفة، خصوصا لدى الشباب، ومن ثمة إلى أعمال عنف تتراوح بين الاضطهاد الفكري للآخر والعنف اللفظي وأخيراً العنف الجسدي بما فيه الإرهاب.
قد يندرج تنظيم هذا المنتدى في هذا السياق، لكن بقي سؤال يؤرقني: هل هناك تطرف عنيف وآخر مسالم؟… وهل هناك إسلام “هارد” وإسلام “سوفت” مثل ما يروَّج له بمناسبة الترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية؟
بالنسبة للشق الأول، وبما أن “أهل مكة أدرى بشعابها” طرحت السؤال على الأستاذ محمد بلكبير، رئيس مركز الدراسة والأبحاث في القيم بالرابطة، وكان جوابه بأننا “حين نتكلم عن التطرف دون إلصاق أي نعت به قد يفهم إيجاباً أو سلباً، لكن حين ننعته بالعنيف فهو يصبح حاملا لما يمكن أن يسبب الأذى للآخر”، كما أن ” التطرف موجود في جميع الديانات، وهو مرحلة سابقة تؤدي إلى الإرهاب”. باختصار، “التطرف هو الابتعاد عن الوسط، أي الغلو في هذا الاتجاه أو ذاك والبعد عن الاعتدال”.
مفهوم، لكن هل الغلو الفكري يؤدي حتما إلى التطرف العنيف؟
في نظري، لا وجود لتطرف مسالم، فالتطرف مثل قنبلة موقوتة يبدأ عدها العكسي بمجرد نفاذ تلك “التوجهات الهدامة” إلى عقولنا وتمكن خطاب الكراهية وتكفير الآخر والخوف من الاختلاف من أفكارنا وحتى حواسنا. التطرف عمى فكري يشل قدرتنا على التمييز والحب، حب الآخر من منطق “الآخر هو أنا”. وبالتالي، لا يمكن أن ينتج عنه سوى العدوان.
أما بالنسبة للشق الثاني من السؤال، فالدين ليس مطية يركب عليها كل سياسي يريد الوصول إلى سلطة دنيوية، سواء هناك أم هنا. وإذا كان التطرف قنبلة موقوتة، فتوظيف الدين هو لعب بالنار، لا أقل ولا أكثر.