Take a fresh look at your lifestyle.

الدستور الجزائري.. “ثرثار” يتحدث عن حقوق لا يضمنها

0

نشرت مبادرة الإصلاح العربي” ورقة بحثية لـ”ناصر جابي” ــ أستاذ علم الاجتماع ــ يتحدث فيها عن الدستور الجزائري وما أدخل عليه من تعديلات. يحاول خلال الورقة تقييم التعديلات الأخيرة بإلقائه الضوء على تاريخ الدستور الجزائري وأهم نصوصه، ويخصص الجزء الأهم عن الرئيس بوتفليقة والتعديلات التي أدخلها.
يبدأ جابي ورقته بأن المواطن الجزائري وقف من التعديلات الدستورية المقترحة عليه في 2016 الموقف نفسه الذي عبر عنه تقرير التنمية الإنسانية العربي، حول الحرية في العالم العربي. إذ ورد في إحدى خلاصاته: إن ما يمنحه الدستور فى البلدان العربية من حقوق عادة ما يأخذه القانون أثناء العملية التشريعية، وتقضى عليه الممارسة الفعلية، ليفرغ هذا الغطاء الدستوري عمليا من محتواه الإيجابي الذي قد يظهر به في الأول. 
جاء هذا التعديل بعد أربع سنوات من صدور حزمة من القوانين العضوية المتعلقة بالانتخابات والأحزاب والجمعيات وغيرها في سنة 2012، وهى قوانين طالبت بإصدارها أحزاب المعارضة في حينها وجزء من الأحزاب السياسية القريبة من السلطة، بعد التعديل الدستوري وليس قبله، مما كان يعنى البدء بتعديل الدستور أولا، وذلك عكس ما حصل تماما.


ورغم ذلك، فإن تلك قوانين لم ترق إلى مطالب القوى السياسية في الجزائر، التي كانت تعيش أجواء الربيع العربي، إذ حاولت تلك القوانين أن تتكيف مع تلك المطالب بأقل الأضرار الممكنة. فماذا كان موقف المواطن والطبقة السياسية من هذه القوانين التي أصرت عليها السلطة ونفذتها بالشكل والتوقيت الذي ارتضته؟
يرى المواطن الجزائري أن الحكم على الدستور يتم من خلال الممارسة الفعلية له، وليس على ما يدعى أنه يضمنه من حقوق نظرية مجردة. الرأي نفسه عبرت عنه المعارضة السياسية في الجزائر التي قالت: إن التعديل الدستوري «لا حدث»، لأن المهم هو التطبيق الفعلي على أرض الواقع. قاطعت معظم أحزاب المعارضة والشخصيات الوطنية المحسوبة عليها المشاورات التي دعا إليها رئيس الجمهورية أثناء عملية إعداد التعديلات الدستورية التي أشرفت عليها شخصيات رسمية مقربة من رئيس الجمهورية. ولم تختلف هذه التجربة عن التجارب السابقة، التي قامت كلها بإقصاء المواطنين من المشاركة في وضع دساتيرهم الوطنية، منذ أول تجربة دستورية في سنة 1963، إذ يكتفي المواطن عادة بدور المتفرج وغير المعنى، الذي يستشار في أحسن الأحوال، بعد أن يعد الدستور ليعبر عن رأيه بلا أو نعم، في استفتاءات محسومة النتائج مسبقا.

  ***
انتقل الكاتب بعد ذلك إلى التعديلات الدستورية في الجزائر منذ الاستقلال والاضطراب الدائم الذي شهدته وطرق إقرارها وتمريرها؛ حيث كان كل رئيس للجزائر يعمل على تغيير وتعديل الدستور، وآخرهم بوتفليقة الذي عبر منذ وصوله إلى سدة الحكم؛ أكثر من مرة عن عدم رضاه عن الدستور الذي ورثه عن أسلافه. دون أن يتمكن من تغييره بشكل نوعى واقتراح دستور جديد للجزائريين يعكس روح العصر. فقد عاب على الدستور طابعه «الهجين»، فلا هو برلماني واضح المعالم، ولا هو رئاسي، حسب وجهة نظره التي تتنافى مع واقع الحال. ليس على مستوى الممارسة التي استولى خلالها على الكثير من الصلاحيات بسياسة الأمر الواقع فقط؛ بل على مستوى النص الدستوري نفسه التي يقول إن الدستور الجزائري مفرط في طابعه الرئاسى، خاصة بعد تعديلات 2008 أيضا. حيث استولى بموجبها رئيس الجمهورية على الكثير من صلاحيات رئيس الحكومة الذي تحول إلى وزير أول ينسق أعمال الحكومة، دون أن يكون مسئولا أمام البرلمان، بل أمام رئيس الجمهورية الذي يكلفه بتطبيق برنامجه الرئاسي، مهما كانت الأحزاب الفائزة في الانتخابات التشريعية. مما أدى في أكثر من حالة إلى تعيين وزير أول من غير الحزب الفائز بالانتخابات. ورغم ذلك كان يتمكن من الحصول على موافقة البرلمان على كل القوانين التي يقترحها بوصفه سلطة تنفيذية.
***
يقول جابي إن الرئيس بوتفليقة تأخر في تعديل الدستور، رغم انتقاده العلني له في خطبه الكثيرة منذ وصوله إلى سدة الحكم في سنة 1999. وكان منتظرا منه أن يقوم بهذه التعديلات في بداية عهدته الثانية 2004 عندما استتب له الأمر وتبين أنه قد حصل على كل صلاحيات «الرئيس» التي كان يطالب بها وليس «ربع الرئيس» كما عاب ذلك على الرؤساء الذين سبقوه.
اختار الرئيس بوتفليقة الإعلان عن الإصلاحات التي بدأها قبل تعديل الدستور، بقوانين حول الانتخابات والأحزاب والجمعيات، وكان خطاب الإعلان عن هذه الإصلاحات في إبريل 2012 هو آخر خطاب موجه للأمة تمكن الرئيس من إلقائه وهو قادر على الحركة والكلام.

تمت هذه التعديلات في ظل حراك إقليمي ودولي جديد، قد يكون عامل تفسير مهم لتأخير ظهور التعديلات والبدء بدل ذلك بالقوانين العضوية. فقد حاول النظام السياسي الجزائري من خلال هذه القوانين امتصاص موجة الربيع العربي واستغلال عامل الوقت، في انتظار تدهور الأوضاع في بلدان الربيع العربي، كما كان يتوقع صاحب القرار الجزائري. أنتظر تدهور الأوضاع في التجارب العربية الفاشلة كسوريا وليبيا لاستعمالها كورقة ابتزاز للمواطنين الجزائريين والنخب المعارضة المطالبة بالتغيير. ولفرض حالة الجمود في الجزائر التي قدمِت كحالة استقرار في جو إقليمي مضطرب.
وزيادة على البعد الإقليمي، فإن اختيار بوتفليقة لتوقيت تعديل الدستور؛ جاء في سياق الصراع السياسي داخل النظام السياسي نفسه، بين الرئيس والمنظومة الأمنية ــ العسكرية التي نجح الرئيس بوتفليقة في إعادة هيكلتها وتغيير قيادتها قبل شهور قليلة من التعديل. وهو في وضع صحي متدهور يهدد بإنهاء عهدته الأخيرة في أي وقت. مما جعل التعديل الدستوري يظهر كصراع من أجل مرحلة ما بعد بوتفليقة، وتحضيرا لها. لذا يبقى السيناريو الأكثر احتمالا في ذلك هو الاتجاه نحو نوع من التوريث العائلي أو الجهوي، وهو بذلك الضامن الوحيد للمصالح المالية والسياسية للعصبِ التي تكونت في ظل حكم الرئيس بوتفليقة.
***
يستطرد الكاتب قائلا إن من التعديلات الدستورية ما هو إيجابي، نظريا على الأقل، كما جرت العادة في التعامل مع النص الدستوري في الجزائر. هناك عدد من التعديلات الايجابية منها مثلا«منح صلاحيات أكبر للنواب في المجلس التشريعي بغرفتيه، منح حق المبادرة بنصوص في مواضيع محددة لأعضاء مجلس الأمة وإمكانية إخطار المجلس الدستوري، الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة رسمية، التأكيد على الحريات الصحافية، إصدار أحكام سالبة للحرية فى قضايا الإعلام المرفوعة ضد الصحفيين، وغيرها. مع ذلك يرى جابي أن التعديلات لصالح السلطة التشريعية طفيفة، لم تصل إلى حد خلق توازن فعلى بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولا يعتقد أن التعديلات الدستورية ستؤدى إلى تغييرات جوهرية في آليات تسيير مؤسسات النظام السياسي الجزائري، وتوازناتها الداخلية. كتلك العلاقات التي تحكم موازين القوى بين السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية المتغوِلة. كما أنها لن تؤدى إلى تغيير نوعية العلاقات مع المواطن الجزائري الذي ازدادت حدة تذمره من الأوضاع القائمة.
إن تخوفات المواطنين وجزء من الطبقة السياسية سرعان ما وجدت تجسيدا واقعيا لها، من خلال إصدار القوانين المتعلقة بالانتخابات في يونيو 2016 والتي اعتبِرت بداية لقوانين عديدة ستصدر لاحقا لتكييف القوانين العضوية التي تمت المصادقة عليها في 2012 مع التعديل الدستوري الجديد.

ويختتم جابي الورقة قائلا إن عملية التشريع بما جاءت به على مستوى الشكل، وما عرفته من مقاطعة للمعارضة البرلمانية، ناهيك عن محتواها الإقصائي؛ كفيلة بجعل الجزائريين يتذكرون الفكرة التي جاء بها تقرير التنمية الإنسانية العربي: إن ما يمنحه الدستور؛ يأخذه القانون، وتلغيه الممارسة!

الناس-عن الشروق المصري

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.