نورالدين اليزيد
انتخابات 7 أكتوبر التشريعية بالمغرب التي جرت يوم أمس الجمعة واحتل فيها حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) المرتبة الأولى حاصدا 125 مقعدا نيابيا من أصل 395 مقعدا، حملت معها أكثر من رسالة واضحة لعل أقواها تلك الموجهة للدولة والنظام السياسي، وتلك التي تلقاها قادة الأحزاب السياسية ولاسيما منهم الذين يوجدون على رأس ما تسمى الأحزاب الوطنية وهي ثلاثة لا رابع لهما ولا أكثر !
فبخصوص الرسائل الموجهة للنظام والدولة التي يمكن استخلاصها من اقتراع الجمعة، فإن تبوء الحزب المنتهية ولايته الحكومية الأولى للتو المرتبة الأولى متقدما على الحزب الإداري الأول في البلاد (الأصالة والمعاصرة)، يعني فشل إستراتيجية جانبٍ من السلطة راهن على أساليب تقليدية وبالية لإضعاف الحزب (الإسلامي) الذي بات منزعجا من تزايد قوته وقاعدته ورمزية قادته؛
ولعل أبرز علامات الفشل الذريع لهذا الجانب من السلطة في مسعاه هو تلك البلاغات المتتالية والمسترسلة التي كانت وزارة الداخلية تقوم بالتأشير عليها في عديد من الوقائع ومنها بالخصوص ما سميت بـ”فضائح رجال الدولة”، وهي البلاغات التي كانت تهمز وتلمز إلى حزب “العدالة والتنمية” الذي يترأس الحكومة في مفارقة عجيبة وغريبة وفجة لم تراع حتى الحد الأدنى مما يفرضه “التضامن الحكومي”. وهو ما كان يوحي ويحيل بما لا يدع مجالا للشك على وجود سلطة تنفيذية موازية ترأس وزير الداخلية وليس رئيس الحكومة المنتخب (عبدالإله بنكيران)، وهو ما يوحي بالنتيجة بوجود دولتين داخل الدولة –حتى لو رفضنا ذلك- وحتى لو رفض ذلك أيضا الملك علانية وانتقده في إحدى خطبه.
بيد أن العلامة أو بالأحرى العلامتين البارزتين اللتين أكدتا ارتباك واندحار هذا الجانب من السلطة المتحفظ على مُخرجات تعاطي النظام مع ما سمي “الربيع العربي”، والتي كانت من بينها الاستفتاء والأخذ بدستور متقدِّم نزع بعض صلاحيات الملك ومنحها لرئيس الحكومة في سنة 2011 ونص على العديد من الحقوق والحريات لفائدة الشعب، وكذا حكومة يترأسها إسلاميون، هما صدور بلاغ غير مسبوق في تاريخ الملكية بالمغرب عن القصر الملكي، تمت فيه مهاجمة وزير في الحكومة بالاسم والصفة (نبيل بنعبدالله)، بعدما قال هذا الأخير في تصريحات صحفية إنه ضد مؤسسي حزب “التحكُّم” (أي الأصالة والعاصرة الذي أسسه مستشار الملك عالي الهمة) ! والأمر الثاني تنظيمُ مسيرة احتجاجية بمدينة الدار البيضاء عشية الانتخابات والإعلان عنها خلال أقل من 48 ساعة من التنظيم، ورفع فيها المحتجون شعارات ضد الإسلاميين وبخاصة منهم حزب رئيس الحكومة، متهمين إياه بالذهاب بالمغرب إلى “الأخونة” و”الأسلمة”، وهي المسيرة التي اقتيد إليها الأميون والأطفال وجيشهم أعوان السلطة وبعض الأعيان المنتسبين لحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن تتبرأ منهم السلطة مجسدة في وزارة الداخلية ولم يتبنى دعوتهم أي أحد ما جعل المسيرة أشبه باللقيط المشوه غير المعروف الملامح ولا الهوية، فباتت موضوع سخرية للنشطاء والمتتبعين وبعض السياسيين.
إنها قمة غباء المقْدِمين على هذه الخطوة غير المحسوبة العواقب، وليس إلا من قبيل البلادة أن يغامر هؤلاء باتهام حزب سياسي يرأس زعيمه حكومةَ “صاحب الجلالة” منذ خمس سنوات وما فتئ يعلن ولاءه التام لإمارة المؤمنين في مناسبة وبدون مناسبة ! ويبدو أن أصحاب تلك المسيرة الممسوخة وكذلك من كانوا وراء توقيع البلاغ الملكي ذاك النادر تلقوا الكثير من التأنيب والتوبيخ من الملك، وهو ما ترجمته واقعا -على ما يبدو- دعوة القصر لنبيل بنعبدالله موضوع البلاغ الناري والمرتبك للمشاركة في الاجتماع الوزاري برئاسة الملك مباشرة بعد حادث صدور البلاغ ما ينفي وجود أية غضبة ملكية، بل يمكن قراءته على أنه كان شبه اعتذار من رئيس الدولة على أخطاء فادحة ارتكبها بعض مستشاريه !
الرسائل القوية وغير المشفرة الأخرى التي حبلت بها نتائج انتخابات يوم أمس الجمعة، موجهة إلى الأحزاب جميعها، وفحواها أن قوتها وامتدادها لا يمكن لأي جهة أن تصنعهما لها ولكن وحدها القواعد والمناضلين المنضبطين يمكنهم منحها هذه المناعة الحزبية؛ صحيح أن الحزب المحتل للرتبة الثانية (البام) حقق نتائج مبهرة ويعتبر الحزب الأكثر تفوقا بحصوله على أكثر من ضِعف ما حصل عليه من مقاعد في انتخابات 2011، وهي النتائج التي ما كان ليحصل عليها كما هو معلوم لوْلا الدعم المباشر وغير المباشر من هذا الجانب غير الواضح الرؤيا بالسلطة، لكن الأمر لا يفتأ يكون مجرد دعم آني تفرضه ظروف وشخصيات معينة سرعان ما تزول أو ستزول، لاسيما مع إصرار رئيس الدولة على مواصلة التغيير والإصلاح –وإن ببُطء- في سبيل التأسيس لبناء مجتمع ديمقراطي، تسود فيه المؤسسات وتندثر فيه نهائيا التعليمات !
إن الأحزاب الوطنية بالخصوص ونقصد تحديدا “الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي” تعتبر الأكثر خسارة في استحقاقات 7 أكتوبر. ومهما حاولت قيادتها أن تبرر لهذه الهزيمة المدوية، وخاصة فيما يتعلق بحزب المهدي بنبركة الذي جاء سادسا في ترتيب الأحزاب، فإن الحزبين إنما يؤديان اليوم فاتورة انسياقهم وراء حزب صنعته الإدارة إن لم يكن من أجل أن يكون الأقوى فعلى الأقل لكي لا يكونوا هم كذلك، وذلك بالتسرب داخل قيادتهم وإحكام السيطرة على توجهاتها تارة بوعود الوصول إلى الحكم، وتارة أخرى بتهديدهم بخطر مُحدقٍ بهم جميعا (تخويفهم من الإسلاميين)، وهذا ما يجعل حزب الإدارة في الأخير يحقق كل أهدافه تقريبا وأهداف الذين صنعوه..وتأملوا نتائجه التي حقق في الانتخابات وقارِنوها مع نتائج حزب “الاستقلال” و”الاتحاد” وسترون عجبا وأسفاً !
https://www.facebook.com/nourelyazid