Take a fresh look at your lifestyle.

إعادة نظر -6- الإنسان الأعلى

0

*عبد الغني العمري

يقول الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]؛ والمقصود بالإنسان هنا بـ”الـ” العهدية، هو الحقيقة المحمدية، التي هي أصل العالم. ثم يقول الله بعد ذلك: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين: 5]؛ والمردود أسفل سافلين، هو جنس الإنسان كله، الذي يُعد أفراده صورا فرعية لصورة الإنسان الأعلى. وأسفل سافلين، هو عالم الطبيعة الذي أنزِل إليه بنو آدم ليدبروا فيه أجساما طبيعية تشدهم إلى أسفل. وبسبب هذا النزول، شرع الله العروج، حتى يعود الموفَّقون إلى أصل نشأتهم العلوية. ولهذا جاء قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين: 6]. فالرجوع الأكبر من أسفل سافلين إلى الحقيقة الأولى، قد وقع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة عروجه؛ فصار هذا سنة لمن تبعه من الربانيين الورثة. ومن المؤمنين من يتوقف في الطريق عند مكانة مخصوصة، يُنسب إليها. أما الأنبياء عليهم السلام، فلهم عروج فرعي عن عروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وإن تقدموه في الزمان. ومن أراد أن يعرف مرتبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فعليه إلغاء الزمان عقلا، حتى ينظر إلى الناس في صعيد واحد، يشبه يوم المحشر. هناك سيظهر له أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، لا يدانيه أحد من الأنبياء. ويظهر له أن النبوة والرسالة له بالأصالة؛ حتى إذا حضر، عاد الجميع له أتباعا. وهذا المعنى هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله: «فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي»[1]. هذا يعني أننا عندما نقول بأفضلية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم على جميع الخلق، فإننا لا ننطلق من عصبية دينية؛ وإنما هي الحقيقة التي يعلمها الأنبياء قبل غيرهم من الخلق. ومن يظن أن الناس كلهم سواسية في المرتبة، كما يريد أهل “الأنسنة” اليوم أن يُفهموهم، فإنه يكون جاهلا جهلا بيّنا.

لما خلق الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، واصطفاه على جميع الخلق، بعثه رسولا ليُعلمهم سلوك طريق العودة إلى الله، ويعرفهم به سبحانه من كونه صورته العليا، التي خُلق آدم على مثالها. لهذا السبب كانت الشرائع السابقة كلها مندرجة في شريعته؛ وكان كتابه (القرآن) مهيمنا على جميع الكتب. نعني من هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحقيقته، كان واسطة بين الله وبين جميع الرسل السابقين. ولما كان عيسى عليه السلام يتكلم عن الآب الذي في السماوات -حتى قال جهلة النصارى ببنوته لله تعالى- فإنما كان يعني الحقيقة المحمدية. وقد جاء في الإنجيل، وصف عيسى لنفسه بـ”ابن الإنسان”. وعلى هذا، فإن مَن لم يأت من باب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فليعلم أن باب الله مغلق دونه. وما نسمعه اليوم -وقبل اليوم- من التيميين الوهابية من توحيدهم الفاسد، الذي يفرقون فيه بين الله ورسوله، ليس إلا إلحادا عن الصراط المستقيم المشروع من قِبل الله. ومن ألحد، فإن الدين لن يؤتيه ثماره، وإن بالغ في أعماله البدنية؛ ويكون حاله كما قال الله عن قوم سابقين: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} [الغاشية: 2 – 4]. فالعبرة ليست بالعمل أولا، وإنما بإصابة الطريق. ومن لم يعرف قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أخطأ الطريق، وضل ضلالا بعيدا.

إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكانته الفريدة، التي لا يشاركه فيها الأنبياء، لم تكن أمته بحاجة إلى بعث أنبياء من بعده. هذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم ما زال حاضرا بين أظهرها في مظاهر ورثته من أتباعه، الذين لا يخلو منهم زمان، إلى قيام الساعة. فمن أراد أن يتصل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، اتصالا يذوق منه أثر الصحبة التي فاز بها الصحابة الأولون رضي الله عنهم، فما عليه إلا أن يصدُق في طلب من استخلفه النبي في أمته استخلاف تزكية وتعليم.

إنّ جهْل سواد الأمة بقدر نبيها صلى الله عليه وآله وسلم، يجعلها في المثل، كابن الملك الذي حيل بينه وبين أبيه صغيرا، فعاد متسولا بين الناس، وهو لا يدري أنه أغنى منهم. وإن المتنقصين من قدر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزعم الحرص على التوحيد، لا يعلمون من التوحيد شيئا؛ وإلا فليخبرونا عن المراتب التي ذكرناها سابقا في هذه المقالات!.. وليُعلمونا، هل كانوا ممن عرج إلى ربه، أم هم من المقيمين في أسفل سافلين؟ وما علامة تحقق العروج؟ وما علامة البقاء في الحضيض؟

أما المتكلمون عن إعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان، فإننا نؤكد لهم عن علم، أنه والله لا يعلم معنى الإنسانية عبد، إلا باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتباعا ظاهرا وباطنا، يتخلص فيه من كل الشوائب التي ورثها في تدينه عن مجتمعه وعن فقهائه.     

*شيخ الطريقة العمرية

 [1] . أخرجه الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

 (كُتب هذا المقال بعد مرور ما يقارب الـ “680” يوم، من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن).

 

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.