زكية حادوش
بداية لا بد من توضيح شخصي غبي نوعا ما: لست ممن يمشي مع الموجة ولم أحمل قلمي أو حاسوبي قط للكتابة عن مواضيع الساعة لأنها كذلك، أو لمسايرة إملاءات تحريرية أو اعتبارات “خبزية” أو “استراتيجية” بالمفهوم السياسوي للكلمة. كل ما في الأمر أنني أكتب عندما يعن لي ذلك. أجل لا أصلح كصحافية ولا ككاتبة من طينة “أميلينوثومب” التي تتصدر مبيعات الروايات البوليسية عند كل دخول ثقافي.
لكن لا بأس بذلك في بلاد لا يوجد فيها شيء يدعى الدخول الثقافي… يوجد عندنا الدخول والخروج في “الهذرة”. أي الهذر بشتى أشكاله وأنواعه، خصوصا عندما يحصل شيء لا يمكن أن يقع سوى في أجمل بلد في العالم. كثر الحديث والتعبير الافتراضي والورقي والفعلي عن مقتل المواطن المغربي “محسن فكري” الذي كان قيد حياته يبيع السمك إلى أن لقي نفس مصيره. فهل وجب التذكير بأن المرحوم ليس سمكة بل إنسان إن غفل عن ذلك أولئك الذين سارعوا إلى “فيسبوكهم” كالجبناء لإيجاد تبرير لتلك الجريمة الشنعاء عبر توضيح ملابسات الحادث، كما لو كان هناك شيء في العالم أوفي الكون بأسره يستطيع تبرير ما لا يبرر ولا يقبَل حتى بالنسبة للكائنات الأخرى فكيف بالإنسان؟
لا ظروف تخفيف في هذه الحالة، ولا كلمة تستطيع تعزية الأهل والوطن في مصاب جلل من هذا الحجم. من قام بذلك، سواء عند حصول الحادث أو قبله أو بعده، لا يستحق سوى أن ينال جزاءه لأنه بتجريده “محسن” من إنسانيته جرد نفسه منها كذلك.
بما أن المصائب تأتي دفعة واحدة، دخل على الخط الفيسبوكي أشخاص يبدو من تغريداتهم الرعناء أنهم لم يشهدوا مظاهرة في حياتهم ولم يتضامنوا حتى مع البطريق في القطب الشمالي فكيف يتضامنون مع أبناء جلدتهم. والمقصود أولئك الذين اعتبروا رفع العلم الأمازيغي في مظاهرات الغضب ضد مقتل “محسن فكري” فتنة. لا أعرف أولئك لكني متأكدة أنهم من يسعون وراء الفتنة فقط لتغذية ترهاتهم على النت والحصول على خمس ثوان من الاهتمام تجعلهم “يكفرون” عن تقديم الاستقالة من القضايا التي تهم البلاد والعباد هنا. فأي شخص شارك في مظاهرة ما في منطقة الريف أو سوس أو العاصمتين الإدارية والاقتصادية يعرف جل المعرفة أن العلم الأمازيغي يُرفع منذ سنين، بل منذ عقدين من الزمان، حتى في تظاهرات فاتح ماي. وما الغريب في ذلك؟ فالمكون الأمازيغي جزء لا يتجزأ من هويتنا. وما كان على أولئك المغردين خارج السرب إلا أن يستغربوا لحمل أعلام فرق كرة القدم الأجنبية أو الشركات المتعددة الجنسية على ترابنا الوطني. أما العلم الأمازيغي، فيُحَمل دائما بكل فخر ولم يعتبره أحد ممن كانوا في المظاهرات أو حملوا هم هذا الوطن دخيلاً علينا ولا سبباً لزرع الفتنة.
ففي هذا البلد الآمن إلى حدود الساعة، لسنا بحاجة إلى مناضلي آخر ساعة للمزايدة سواء من هذا الطرف أو ذاك. كلنا في الهم مغرب، مغاربة لا ننقسم إلى ريفي، أمازيغي، عربي، دكالي، صحراوي… يقسمنا الظلم فقط، واسألوا من ظُلِم في بلده عن مرارة الظلم! هنا فقط مظلومون وظلمة، كثرة من المظلومين وقلة من الظالمين. ولا يهم إن كان المظلوم فردا أو جماعة أو حتى منطقة بأكملها، المهم أن نهب لمقاومة الظلم جميعاً… فمحاربة الظلم فرض عين وليس فرض كفاية. ونصرة المظلوم حيا وميتا واجب إنساني ووطني مقدس، لا نفرق في ذلك بين عربي أو أمازيغي إلا بحجم الظلم الذي لحقه، وما لحق بأخينا “محسن فكري” أفظع وأقسى ظلم يمكن أن يتصوره إنسان أو يعبر عنه لسان. فلا حول ولا قوة إلا بالله.