زكية حادوش
يوم الجمعة الماضي نزل خبر دخول اتفاق باريس حيز التطبيق، مع كل ما يليق بهذا النبأ من الاحتفالية في النشرات الإخبارية. والبارحة، تهاطلت “أمطار الخير” الأولى على العاصمة الرباط وبعض المدن المغربية الأخرى؛ لكن على شكل زخات قوية غمرتْ بعض الطرقات وتسببتْ في بعض الخسائر المادية. فهل كان من الضروري أن تُذكِّرنا الطبيعة مرة أخرى بضعفنا أمام قواها، وبتمادينا في سياسة النعامة عشية احتضان المغرب للمؤتمر 22 لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة حول المناخ (كوب 22)؟
“هل نحن شعب بلا ذاكرة؟”…سؤالٌ طرحتُه على ثلةٍ من الخبراء والأساتذة الأجلاء في ندوة دولية تحضيرية لكوب 22 انعقدتْ بكلية الطب والصيدلة بالدار البيضاء في غضون الشهر الماضي. سؤال حارق، لأننا تصرفنا منذ بوادر التحضير لهذا المؤتمر العالمي الذي ينطلق بمراكش اليوم، كأننا لم ننظم قبله سنة 2001 كوب 7، وكأننا لا نتوفر على رصيدٍ ولا على تراكمٍ في مجال البيئة وخصوصاً التغيرات المناخية، وكأننا ننطلق دائماً من الصفر ونعود إليه في نهاية المطاف!
بعيدا عن الإفراط في التشاؤم أو، على العكس، المبالغة في التفاؤل، تظل الواقعية أفضل عُدة نتسلح بها حتى لا نلدغ من الجحر مرتين وأكثر، وتظل معرفة الحقيقة وكشفها أفضل دواء ضد النسيان أو الأحرى التناسي، حتى لا نمحو النقط المضيئة في تاريخنا وحتى نستخلص العبر من أخطائنا، وبالأخص في ميدان حساس ومصيري مثل التعامل مع البيئة.
وكما صرح الدكتور أحمد عراقي، كاتب الدولة في البيئة السابق، في إحدى حواراته معنا، فالنقد الذاتي ليس خيارا بل هو ضرورة. وانطلاقا من ذلك، يجب أن نهنئ أنفسنا على احتضان كوب 22، لكن لا نريدها أن تكون مجرد “ملحقة لكوب 21”. ولكي يتأتى ذلك، لا بد من استرجاع الذاكرة، بدءاً من تصحيح بعض المعلومات التاريخية التي جاءت في الموقع الالكتروني الرسمي للكوب بالعربية المترجمة عن الفرنسية هكذا: “بسبب انفتاح المغرب على العالم وعلى أهمية السياحة فإن غالبية المغاربة يفهمون ويتحدثون الفرنسية والإسبانية والإنجليزية”…عجباً! هل غالبية المغاربة مرشدون سياحيون غير مرخص لهم؟!
لا ننكر انفتاح المغرب بالنظر إلى موقعه الجغرافي والحضاري، لكننا لا ننكر أيضا رابطنا التاريخي الوثيق مع اللغتين الفرنسية والإسبانية، والمتجسد في التاريخ الاستعماري، ولا نغفل علاقتنا باللغة الإنجليزية باعتبار هيمنتها منذ “استتباب النظام العالمي الجديد”. ولن يفيد إنكار حقائق تاريخ الإنسانية في تقييم التعامل البشري مع البيئة عموماً ومع التغيرات المناخية الناتجة عن أفعال الإنسان على وجه التدقيق.
إضافة إلى هذا التصحيح الأول الذي يتطلب النزاهة العلمية اللازمة في استحضار التاريخ المشترك للبشرية، لابد من تصحيح ثانٍ يتطلب قدراً من الشجاعة الفكرية لإعادة النظر في بعض المصطلحات المتداولة بكثرة في هذا المجال. وعلى سبيل المثال لا الحصر، مفهومان اثنان ما لبثا يتكرران في خطابات السياسيين والخبراء والمجتمع المدني خلال هذا المؤتمر وعلى هامشه، ألا وهما “العدالة المناخية” و”الاستقلالية الطاقية”، اللذان لا يتطابقان مع القواعد الطبيعية الأزلية. إذ أن البيئة لا تعترف بالحدود الزمكانية، ولا بعدالة التوزيع، ولا باستقلالية كائن عن الآخر. علمياً، وبالتالي استراتيجيا، ليس هناك سوى التكامل والتضامن.
التصحيح الثالث يجب أن ينكب على الفعل. فانطلاقاً من شعار المؤتمر 22 للمناخ المنعقد الآن في مراكش “لنعمل!”، نستخلص أن الرهان كله على الفعل، وليس على الكلام حتى وإن كان إعلانا لحسن النوايا فيما يتعلق بمكافحة التغيرات المناخية أو التأقلم معها. ولكن بالعودة إلى الشعار الأممي للاحتفال باليوم العالمي للبيئة في السنة المفصلية 2000، نجد أنه يقول بالحرف “حان وقت العمل!”. وها قد مرت 16 سنة، هل كنا خلالها كبشرية نفعل شيئا لصالح بيئتنا المشتركة ولصالح مناخنا المترابط ولصالح أجيالنا القادمة؟
سؤال قد نعيد طرحه على كوب22، كما طرحناه على ما قبلها. لكن، بدل انتظار الجواب، المفروض أن نفعل شيئاً، حتى وإن كان شيئاً من قبيل استعادة طرح السؤالِ الجوهري بالنسبة لنا على الأقل؛ ما الذي سيربحه المغرب، وبالتالي إفريقيا/عمقنا القاري، من كل هذا؟… ولا نعني هنا، وبكل وضوح مجرد نقل التكنولوجيا ، أو التحول إلى مجرد “مزابل مربحة” لنفايات الغرب، أو “النموذج الأمثل” للاستثمار في الطاقات المتجددة والذي ينسى أو يتناسى أن الإنسان هو الطاقة الأكثر تجدداً وتجديداً، ومنذ أول الطبيعة… !
المهم، وفي مراكش “كوب7” 2001 مع الشوط الأول من حكومة التناوب، كان العمل ممكناً من أجل مرصد جهوي قاري للتغيرات المناخية فوق تراب بلادنا.؟ أما الأهم اليوم، في مراكش “كوب 22” 2016، فهل مجرد التطلع لهذا المرصد الحيوي موجوداً أو مفكراً فيه على الأقل؟؟؟
ولا بد في مثل هذه اللقاءات الدولية الموصولة بالمناخ الكوني، بتحدي استمرار الحياة، وب”الاستحقاقات التنموية”، من التذكير بالخطإ الثاوي في الفكرة المنطلق منها، وتصحيحها كالتالي؛ “الانسان ليس مركز الكون، والطبيعي هو ملاءمة التنمية مع الطبيعة وليس العكس…”
وفي انتظــار ذا التصحيح الأكثر جوهرية، يتواصل “الترقيع بالضعفاء لما مزقه ويمزقه الأقوياء”، أما الطبيعة، وكل ما هو طبيعي طبعاً، فيعرفا جيداً “ما العمل؟”… وإلى اللقـاء في “الكوبات المقبلة”… !!!