Take a fresh look at your lifestyle.

ارتفاع متوسط الأجر الصافي بالمغرب إلى أزيد من 43 % خلال العشر سنوات الأخيرة

0

شهد المغرب خلال العقد الأخير تحولاً تدريجياً في سياسة الأجور، انتقل خلال السنوات الأخيرة إلى وتيرة أكثر وضوحاً، خصوصاً في القطاع العام، في ظل توالي اتفاقات الحوار الاجتماعي وارتفاع كلفة المعيشة والضغوط المرتبطة بالحفاظ على القدرة الشرائية للأجراء والموظفين.

وتكشف الأرقام الرسمية أن متوسط الأجر الشهري الصافي في الوظيفة العمومية ارتفع من 7,381 درهماً سنة 2015 إلى نحو 10,600 درهم سنة 2025، أي بزيادة قدرها 3,219 درهماً، وبنسبة تناهز43.6  في المائة خلال عشر سنوات، وهو ما يعادل متوسط نمو سنوي يقارب 3.7 في المائة.

غير أن هذا الرقم يحتاج إلى قراءة دقيقة، إذ لا يعني أن كل موظف عمومي حصل فعلياً على زيادة بنسبة 43.6 في المائة، فمتوسط الأجر يتأثر، إلى جانب الزيادات العامة، بالترقيات في الدرجات وتطور المسارات المهنية وتغير بنية الموظفين، فضلاً عن الزيادات القطاعية التي عرفتها بعض الفئات.

وتبدو وتيرة الارتفاع أكثر وضوحاً عند النظر إلى الحد الأدنى للأجر في الوظيفة العمومية. فقد انتقل من 3,000 درهم سنة 2015 إلى 4,500 درهم سنة 2025، أي بزيادة إجمالية قدرها 50  في المائة، وجاء هذا التطور نتيجة سلسلة من الإجراءات المتدرجة، قبل أن تتسارع وتيرة الزيادات خلال السنوات الأخيرة.

ويمكن اعتبار الفترة الممتدة من 2022  إلى 2026 نقطة تحول أساسية في سياسة الأجور بالمغرب، فقد أفرزت جولات الحوار الاجتماعي الأخيرة زيادات عامة وقطاعية مهمة، كان أبرزها إقرار زيادة عامة صافية قدرها 1,000 درهم شهرياً لفائدة الموظفين المعنيين، موزعة على شطرين تم استكمالهما في سنة 2025.

ولم تقتصر الزيادات على الزيادة العامة، إذ استفادت قطاعات بعينها من إجراءات أكثر أهمية. ففي قطاع التعليم، أقرت الحكومة زيادة عامة صافية قدرها 1,500 درهم شهرياً لفائدة الموظفين، موزعة على شطرين، بينما شهد قطاع الصحة بدوره زيادات وتعويضات لفئات مهنية مختلفة، من بينها 500 درهم للممرضين و200 درهم للأطر الإدارية ابتداء من يوليوز 2025، إلى جانب إجراءات أخرى مرتبطة بالأنظمة الأساسية والتعويضات.

أما في القطاع الخاص، فقد شهد الحد الأدنى للأجر بدوره مساراً تصاعدياً. وبحسب المعطيات الحكومية، انتقل الحد الأدنى للأجر في الأنشطة غير الفلاحية من حوالي 2,829  درهماً صافياً قبل سنة 2021 إلى نحو 3,423 درهماً ابتداء من يناير 2026، أي بزيادة تقارب 20 في المائة، وفي القطاع الفلاحي، ارتفع الحد الأدنى من حوالي 1,994 درهماً إلى 2,533 درهماً، بزيادة تناهز 25 في المائة.

وقد جرى تنفيذ هذه الزيادات في القطاع الخاص على مراحل، من خلال زيادة بنسبة 5 في المائة في يناير 2025 ثم 5 في المائة أخرى في يناير 2026 بالنسبة للأنشطة غير الفلاحية، مقابل زيادتين مماثلتين، في أبريل 2025 وأبريل 2026، بالنسبة للقطاع الفلاحي.

لكن الأرقام الاسمية للأجور لا تكفي وحدها للحكم على تطور الوضع المعيشي للأجراء والموظفين. فارتفاع الأجر بنسبة معينة لا يعني بالضرورة ارتفاع القدرة الشرائية بالنسبة نفسها، لأن ذلك يرتبط أيضاً بتطور الأسعار خلال الفترة ذاتها. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الزيادة الاسمية في الأجر، أي عدد الدراهم الإضافية التي يحصل عليها الموظف أو الأجير، وبين الزيادة الحقيقية في الأجر بعد احتساب أثر التضخم وارتفاع أسعار السلع والخدمات والسكن والنقل وغيرها.

وهذه النقطة تكتسي أهمية خاصة عند تقييم حصيلة العقد الأخير. فالدولة رفعت بالفعل الأجور، وخصوصاً منذ 2022، لكنها فعلت ذلك في سياق اتسم بارتفاع قوي في تكاليف المعيشة، ما يجعل السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بحجم الزيادة في الأجر، وإنما بحجم ما تبقى منها بعد احتساب ارتفاع الأسعار.

وتكشف كلفة الحوار الاجتماعي بدورها عن حجم التحول الذي عرفته سياسة الأجور. فقد قدرت الحكومة أن تصل كلفة الإجراءات الناتجة عن الحوار الاجتماعي إلى حوالي 45.738 مليار درهم في أفق 2026، لفائدة نحو 1.128 مليون موظف. وارتفعت التقديرات لاحقاً إلى حوالي 49.7 مليار درهم مع نهاية 2026 وبداية 2027، مع احتساب مختلف إجراءات دعم القدرة الشرائية والتدابير المرتبطة بالحوار الاجتماعي.

ويظهر التحول أيضاً من خلال تطور نفقات الموظفين. فقد ارتفعت من 115.4 مليار درهم سنة 2014 إلى 161.6 مليار درهم سنة 2024، أي بزيادة تناهز 40 في المائة. والأكثر دلالة أن وتيرة ارتفاع هذه النفقات تسارعت خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغ متوسط نموها السنوي حوالي 4.92 في المائة خلال الفترة 2018–2024، مقابل نحو 1.23 في المائة فقط خلال 2014–2018.

وبذلك يمكن تقسيم العقد الأخير إلى مرحلتين واضحتين. مرحلة أولى، بين 2015 و2021، اتسمت بزيادات أكثر تدرجاً ومحدودية؛ ومرحلة ثانية، بدأت بشكل أكثر وضوحاً منذ 2022، انتقلت فيها سياسة الأجور إلى مستوى أعلى من التدخل، قبل أن تبلغ ذروتها خلال 2024–2026 من خلال الزيادات العامة والقطاعية واتفاقات الحوار الاجتماعي.

وتحمل هذه الأرقام في النهاية مفارقة تستحق النقاش: الأجور ارتفعت بشكل ملموس، لكن السؤال حول القدرة الشرائية لا تحسمه الزيادة الاسمية وحدها، فمتوسط الأجر الصافي في الوظيفة العمومية ارتفع بنحو 43.6 في المائة خلال عشر سنوات، والحد الأدنى للأجر ارتفع بـ50 في المائة، كما ضخت الدولة عشرات المليارات من الدراهم في إجراءات الحوار الاجتماعي؛ غير أن الحكم النهائي على هذه السياسة يظل مرتبطاً بما إذا كان نمو الأجور قد تجاوز، وبأي هامش، نمو الأسعار خلال الفترة نفسها.

وبعبارة أخرى، فإن المغرب دخل خلال السنوات الأخيرة مرحلة جديدة في تدبير ملف الأجور، عنوانها الأبرز زيادة الإنفاق العمومي على الأجور وتحسين دخل فئات واسعة من الموظفين والأجراء. غير أن الاختبار الاقتصادي والسياسي الحقيقي لهذه السياسة لا يكمن فقط في عدد الدراهم التي أضيفت إلى الرواتب، وإنما في مقدار التحسن الفعلي الذي شعر به المواطن في قدرته على الاستهلاك والادخار ومواجهة تكاليف الحياة.

الناس/الرباط

 

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.