القمة العربية الـ31.. فشل للجزائر وربح للرباط!
حكيم الحوت
لم تعد القمم العربية تثير اهتماماً كبيراً، سواء داخل المنطقة العربية أو خارجها، إلى درجة أنّ انعقادها أو تأجيلها لم يعد ذا موضوع، في ظل استمرار التمزّق في النظام العربي وانهياره منذ غزو العراق للكويت وما تلاه من تدخلات عسكرية في المنطقة.

وإذا كانت جامعة الدول العربية عنوان وحدة العرب، وأحد أهم الإنجازات العربية التي صمدت أمام عامل الزمن، فما الذي حقّقته على أرض الواقع للمواطن العربي، على امتداد 77 عاماً من وجودها؟
يكاد يكون الجواب بلا تردّد: لا شيء.
في غياب قدرة الجامعة العربية على تحقيق طموحات الشعوب العربية وتلبية أحلامها في وطن واحد من المحيط إلى الخليج، وتعزيز العمل العربي المشترك بين أنظمته، أصبح نجاح القمم العربية، يُقاس أولاً، بعدد القادة الذين يحضرون مؤتمراتها، فمستوى التمثيل الرسمي لكل بلدٍ يأخذ بعده الرمزي، والغياب سواء كان مبرّراً أو غير مبرّر يفتح المجال لتأويلاتٍ كثيرة بشأن أسبابه ودوافعه ومراميه. أما المقياس الثاني لنجاح القمم العربية، فهو سير أشغالها ونوعية وعدد الكلمات والخطب التي ألقيت فيها، وعدد المصافحات على هامشها وصور المشاركين فيها وعدد الجلسات، وأحياناً عدد الأيام التي استغرقتها أعمالها، كلّها مؤشّرات للحكم على مدى نجاح قمة عربية أو فشلها، وأخيراً تعتبر التوصيات الصادرة عنها أو بيانها الختامي الغاية التي يمكن من خلالها تقييم كلّ قمّة والحكم عليها.
من رهانات نجاح القمة العربية، من المنظور الجزائري، استبعاد مشاركة المغرب، في دورة كان شعارها ” لم الشمل العربي”، وعزله عن محيطه العربي والإقليمي، فمن جهة وجهت دعوة إلى جلالة الملك محمد السادس لحضور القمة، ومن جهة أخرى حركت آلياتها الدعائية لمهاجمة المغرب ملكاً وشعباً واستفزازا للشعب المغربي، بفبركة أخبار كاذبة حول انتفاضات شعبية لا توجد إلا في مخيال أبواقه الدعائية، وتسليح جبهة البوليساريو وإمدادها بطائرات مسيرة “درون” لمهاجمات الأراضي المغربية، من أجل الدفع بالمغرب لمقاطعة القمة.
المعايير الجزائرية لنجاح القمة العربية
وراهنت الدولة الجزائرية على القمة العربية الـــ31 المنظمة في عاصمتها لترسيخ مكانتها كلاعب أساسي في الساحة العربية والإقليمية، تحت يافطة “الجزائر الجديدة”، بسقف أحلام عالي. حيث ربطت نجاح القمة بعودة النظام السوري وفرض جبهة البوليساريو على أجندة الدول العربية، وملاطفة النظام الإيراني باستبعاد أي إدانة له ولتدخلاته العسكرية في المنطقة، في رسالة واضحة إلى حلفائها، إيران وسوريا، بأن الجزائر قوة إقليمية قادرة على الدفاع وضمان مصالح شركائها في المنطقة.
ومن رهانات نجاح القمة العربية، من المنظور الجزائري، استبعاد مشاركة المغرب، في دورة كان شعارها ” لم الشمل العربي”، وعزله عن محيطه العربي والإقليمي، فمن جهة وجهت دعوة إلى جلالة الملك محمد السادس لحضور القمة، ومن جهة أخرى حركت آلياتها الدعائية لمهاجمة المغرب ملكاً وشعباً واستفزازا للشعب المغربي، بفبركة أخبار كاذبة حول انتفاضات شعبية لا توجد إلا في مخيال أبواقه الدعائية، وتسليح جبهة البوليساريو وإمدادها بطائرات مسيرة “درون” لمهاجمات الأراضي المغربية، من أجل الدفع بالمغرب لمقاطعة القمة.
كما شكل قرار تنظيمها في الأول من نونبر الذي يصادف ذكرى اندلاع حرب التحرير الجزائرية متاجرة ذميمة بالتاريخ، بهدف تحقيق إجماع شعبي داخلي يفتقده النظام الجزائري حالياً.
المغرب وتكسير العظام
لم تعد الدبلوماسية المغربية دبلوماسية دفاعية كما كان الأمر سابقا، فهي هجومية إلى حد المواجهة دفاعا عن قضايا البلاد الاستراتيجية، فقرار العودة إلى الاتحاد الإفريقي، واختيار المغرب لتنويع شركائه الدوليين من منطلق رابح-رابح، وفرض مسألة الصحراء المغربية كمحدد ينظر منه المغرب إلى مصداقية وقوة علاقاته الدولية، يبين بأن سياسة الكرسي الفارغ لم تعد من بين أوراقنا الآن، وأن المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس؛ فقرار مشاركة المغرب يأتي من التزامه بالقضايا العربية، أولها القضية الفلسطينية وما تعرفه من تحديات داخلية وخارجية، واستعداده للدفاع عن مصالح الاستراتيجية في أي زمان ومكان.
حضر وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة وكان نجم القمة بامتياز؛ أولاً كشف ازدواجية النظام الجزائري الذي تفادى استقباله، كما تفرضه قوانين وأعراف الجامعة العربية، فكان انتصارا أخلاقيا للمغرب، ثانياً عملت الجزائر على فبركة خارطة العالم العربي وبثر الأقاليم الجنوبية المغربية، فكانت فضيحة إعلامية وسياسية أمام العالم، اضطرت معها الجزائر إلى تقديم اعتذار صريح وتصحيح الوضع، وهي التي جعلت من هذه القضية قضيتها الأولى، ثالثاً إدانة التدخلات الإيرانية في المنطقة، وتهديدها للأمن القومي العربي من العاصمة الجزائرية شريكتها الاستراتيجية بمبادرة وهندسة من السيد بوريطة، رابعاً استبعاد النظام السوري من القمة، خامسا اعتذار أكثر من ثلث قادة الأمة العربية عن المشاركة وتقليصها إلى المستوى الثاني أول الثالث.
خلاصة القول إن المغرب قد انتصر في قمة الجزائر بلاعب واحد، كان هو السيد ناصر بوريطة، ومن ورائه لعبة دبلوماسية أنيقة وجميلة، وفريق من المهندسين يتحكمون في أوراق القوة ولهم القدرة على اختيار الوقت والمكان المناسب لكشفها، غايتهم الدفاع عن المصالح المغربية الاستراتيجية بروح المقاتل وبأخلاق الفارس النبيل، ويبقى للجزائر إعلانها الأخير لتكتب فيه ما تشاء.