Modern technology gives us many things.

زومي- وزان.. بنايات على خطِّ التَّلاشي.. حفظ الذاكرة أمْ تثْمين الرأسمال اللّامادي؟

0

محمد الفرسيوي

 هل بدأت زومي كمنطقة عسكرية إبّان الاستعمار الفرنسي؟  Zone Militaire /Zomi / Zoumi.

 زومي، نمتْ على مَدِّ سنين الاستعمار القاسيّة.. لتتحوّل مع بداية “الاستقلال” إلى جماعة ومركز قروي إداري، محافظةً على أدوارها كسوقٍ أسبوعي يلتقي فيه سكان عشرات الدواوير بالمنطقة، أما بنايات الإرث الاستعماري فقد صارتْ مقرات إدارية، أو مساكن إدارية، أو أن بعضها حافظ على تأدية نفس الوظائف السابقة، مثلما هو الأمر بالنسبة للمدارس وبعض مطاحن الزيتون والمركز الصحي بزومي..

محمد الفرسيوي

ويُعتقد أنا اسم زومي قبل الاستعمار، ظل مرتبطاً بنعْتِ السوق الأسبوعي (لْثْنِينْ= من الإثنين، وهو يوم السوق)، أو كماُ في بعض الرواياتٍ المتداولة، بنعُوت موصولة بأسماء الأراضي الفلاحية آنذاك، سِيّما وأن موقعها في حضن الجبال كسهلٍ صغيرٍ متموجٍ بين مجاري السيول والأنهار، جعل منها الأراضي الأكثر خصوبة في المنطقة كلها، آنذاك..

هذا الاستطراد الوصفي، يقودنا إلى وضع اليد على مجمل “التحولات التعسفيّة” التي عرفتها المنطقة تحت نيِرِ الاستعمار الفرنسي المباشرِ البغيض، وبعده أيضاً.. ومما لا شك فيه أن المنحى الترقيعي التّبعي الذي صارتْ عليه البلاد بعد الاستقلال السياسي في المنطقة وغيرها، قد ساعد على ما يُشبه الانتقال السّلس من “الاستعمار” إلى “الاستقلال”، وخصوصاً فيما ارتبطَ بالبنايات الاستعمارية ووظائفها، مع الاقتصار على “مغربة” الوجوه التي تديرها..؟

هنا والآن، وفي سياق حفظ الذاكرة طبعاً، نعني حفظ الذاكرة الحية، ما العمل؟ بالنسبة لما تبقّى من الإرث الاستعماري المُجسّد فيما تبقى من البنايات الكولونيالة الآيلة للتلاشي بزومي…؟؟؟

بيْد أن منحَى” التغيير الشكلي” هذا، على صعيد تدبير التركة الاستعمارية والبنايات الكولونيالية، لم يُثر ساكنة المنطقة، لا في حينه ولا بعده، وذلك رغم البلاء المحفوظ لها في مقارعة الاحتلال الفرنسي منذ بدايته، وخضوعها الاضطراري لهذا الاحتلال الشّرس، منذ ثلاثينيات القرن الماضي.. لقد كان التحرر من بطش الاستعمار، ومن نهب المعمِّرين للمحاصيل الزراعية والفلاحية وللأبقار والمعز والحمير والبغال كل موسم فلاحي، ومن إخضاع الساكنة لنظام الصُّخرة والكدح اليومي في إقامة الطرق والجسور والمنشآت الكولونيالية، تحت طائلةِ الإكراه والتعذيب والتَّجويع الجماعي (…) لقد كان هذا النوع من التحرر والتخلُّص من العبودية المقيتة، هو ما يشغل هذه الساكنة في عشرات الدواوير، آنذاك…

هنا والآن، وفي سياق حفظ الذاكرة طبعاً، نعني حفظ الذاكرة الحية، ما العمل؟ بالنسبة لما تبقّى من الإرث الاستعماري المُجسّد فيما تبقى من البنايات الكولونيالة الآيلة للتلاشي بزومي…؟؟؟

يرى محمد توفيق (فاعل سياسي) أن البنايات المتبقية المعرَّضة للتلاشي، والتي تحيل إلى الفترة والذاكرة الاستعمارية، يمكن إدراجها ضمن الرأسمال اللامادي لزومي، وأن المحافظة عليها عبر إعادة ترميمها يسهمُ في حفظ الذاكرة وفي تثمين جمالية المنطقة من الناحية العمرانية على الأقل، سيّما وأن التوسُّع العمراني السّاري لا يستحضر هذا البعد التنظيمي الجمالي، وكأنه قد استسلم نهائياً لما يشبه فسيفساء البناء العشوائي والإسمنت الفوضوي، بطريقة مستدامة، وعن قصدٍ و”تخطيط” مسبق؟ ..

في نفس السياق، يعتقد فاعلون تنمَويُّون وحقوقيون بالمنطقة، أن تعريض هذه البنايات للتلاشي والضياع البطيء، يأتي في إطار مخططات الطامعين في الاستلاء على الأراضي التي أقيمتْ عليها هذه البنايات، مثلما حصل  لبنايات وأراضي مخزنية قبلها..

 ما الجدوى من المحافظة على هذا الإرث الاستعماري؟ ومِنْ إعادة ترميم البنايات المعرّضة للتلاشي؟ وما هي القيمة المضافة لهذا المطلب العمراني الإصلاحي؟

يؤكد محمد توفيق أن مطلب ترميم هذه البنايات يهدف إلى إثارة انتباه المسؤولين من أجل تحويل هذه البنايات إلى منشآت تساهم في الاقتصاد المحلي من خلال إقامة دور الإيواء للسياحة ولمصالح أخرى، وذلك بالتزامن مع الحفاظ على جمالية زومي، وعلى التراث الذي يعتبر الرأسمال اللامادي لزومي..

بالمقابل، يرى الخمّار المثيوي (فاعل جمعوي)، أن البناية التي كانت مقراً للدرك الملكي إلى حدود عام 2010، بالنظر إلى موقعها الممتاز، يمكن تحويلها مثلاً، إلى متحف محلي، يُخصّصُ لتجميع الوثائق والكتابات والسّرديات المنبثقة من الذاكرة الاستعمارية الموشومة بالآلام، وكذا تجميع الأشياء الرمزية الموصولة بأرشيف الذاكرة الاستعمارية، خصوصاً وأن منطقة زومي وساكنتها إبان الفترة الاستعمارية، قد عانتْ الويلات والآلام والأوجاع، وأشكال مختلفة من التعذيب ومن الصّخرة والتجويع والبطش والتنكيل الجماعي، خلال سنوات ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي..

 إن إعداد هذه البناية لتصير “موقع ضمير” شاهدٍ على جرائم الاستعمار، يفيد الذاكرة المحلية والوطنية في تذكُّر “الفترات السوداء” من تاريخها، وكذا “فترات الكفاح” من أجل الانعتاق والحرية والسيادة… كي لا تسقط في فخاخها الأجيال المتعاقبة، وكي تعرف هذه الأجيال أن الأجيال السابقة قد أدَّت الثّمن باهظاً من أجل الحرية والانعتاق من نير الاستعمار، وكي تبقى آثار الاستعمار اللاإنسانية دليلاً قائماً موثَّقاً، في سجلِّ التاريخ على جرائمه..

على سبيل الختم، نسوق مع هذه السطور صوّر بعض البنايات الاستعمارية المتبقية والمتروكة للتلاشي (كمثال فقط: مقر الدرك الملكي سابقاً + جانب من بنايات مدرسة أنوال).. والتي تستوجب إعادة الترميم، ثم استثمارها في خلق فضاءات ثقافية وإنتاجية (دور إيواء سياحية/ متحف للأرشيف وحفظ الذاكرة/ نوادي نسوية أو شبابية…) فمَنْ يتلقّفُ الفكرة؟ ومَنْ يلتقط المقترح؟ مِنَ المسؤول الإداري والجماعي إلى الفاعل السياسي والناشط الجمعوي…؟؟؟ والله المعين.

أترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.