هل يتكرر سيناريو تقهقر الاتحاديين مع الإسلاميين بعد قيادتهم حكومتي تناوُب؟
نورالدين اليزيد*
من حق حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) أن يُعبر عن انتعاشته السياسية الحالية، وعودته إلى صف الأحزاب الأكثر قدرة على التحشيد الجماهيري، وهو ما نشاهده ونتابعه اليوم في الحملة الانتخابية لاستحقاقات 23 سبتمبر التي ستجرى يوم غد الأربعاء، وهو الزخم الذي عبر عنه العديد من قادته في تصريحات مُبالِغة في التفاؤل، إلى حد قول البعض من هؤلاء إن “بيجيدي” يتنافس على احتلال المرتبة الأولى في هذا الاستحقاق البرلماني.
نعم من حق المرء أن يتفاءل، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بسياسيين هم خصوم سياسيين آخرين قادوا مرحلة حكومية أدت إلى كثير من الغضب الشعبي بسبب قراراتهم اللاشعبية. لكن هل تعني هذه الانتعاشة والهبّة القاعدية، حيث نرى تجمعات حزب “العدالة والتنمية” حاشدة وتضاهي في صخبها بل وتتفوق أحيانا على تجمعات الحزبين “الإداريين” القويين (البام والأحرار)، المتنافسين بقوة على حسم النتائج، أن الحزب قد يعود إلى تصدّر المشهد وتحقيق الصدارة في الانتخابات من جديد، على غرار ما فعله في انتخابات 2011 و2016، أم أن التفاؤل المفرط لقيادات حزب “المصباح” تتحكم فيه إما عواطف عمياء أو غرور زائد؟
للجواب على هذا التساؤل، وفي غياب ثقافة استطلاعات الرأي في مملكتنا، فإن التجربة المغربية والتقاليد المرعية، في اللعبة السياسية، لا تضطرك إلى قياس المشهد العام للتنافس، ولا رصد مزاج الناس وتوجههم نحو التصويت، لتعرف مَن الفائز أو الفائزين من الأحزاب في هذا الاستحقاق أو ذاك ومَن الراسبين منهم، وإنما عليك فقط التمعن جيدا في نوايا السلطة، ثم أخرج الدفاتر والمحاضر الرسمية التي دونت نتائج الانتخابات السابقة، واستخرِج منها اسم من كان الفائز ومن كان الخاسر!
وفي قراءة بسيطة لنتائج الاستحقاقات البرلمانية الستة السابقة، فإننا نقف على تصور واضح لهوية الحزب الفائز والحزب الخاسر، وعلى الظروف التي تفرز ذلك؛ حيث بالرجوع إلى استحقاق سنة 1997، في الانتخابات التي كانت تهدف منها الدولة دخولَ عهد جديد يدمج المعارضة التاريخية في الحُكم، فإن النتائج سارت في ذات الاتجاه، وكانت الرياح كما تستهويه السلطة، وحصل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على المرتبة الأولى بـ 57 مقعداً (من أصل 319) وقاده ذلك إلى ترؤس حكومة التناوب التاريخية سنة 1998.
وحقق حزب “الوردة” نفس المرتبة في الانتخابات الموالية (2002) بـ 50 مقعداً (من أصل 325)، ولكن لم يتول رئاسة الحكومة (رئاسة الوزراء حينئذ)، في ما اعتبره “الرفاق” في الحزب لاحقا بـ”التراجع عن المنهجية الديمقراطية”، حين جاء القصر بتكنوقراطي ليتولى المهمة، وقد كان الدستور حينها لا يقيد يد الملك في تنصيب من يشاء في المنصب!
ثم بعد ذلك بدأ التراجع في نتائج الانتخابات وهكذا حصل في استحقاقات 2007 على 38 مقعداً فقط من أصل 325، محتلا الرتبة الـ5، وفي انتخابات 2011 بقي في نفس الترتيب بـ 39 مقعداً ولكن من أصل 395 هذه المرة، بعد رفع عدد مقاعد مجلس النواب وفقا للتعديلات الدستورية الجديدة التي جرت في تلك السنة. وفي العام 2016 حصل الحزب على 20 مقعداً فقط من أصل 395، متراجعا إلى المرتبة السادسة، فيما اعتُبر انتكاسة غير مسبوقة ربما لحزب بنبركة، وفي الانتخابات الأخيرة للعام 2021 وحتى مع تسجيل بعض التقدم (حصوله على 34 مقعدا) واحتلاله الرتبة الرابعة، فإن استمرار الحزب في التراجع بقي ملحوظا، وكأن قيادته لـ”حكومة التناوب” بداية من 1998 كانت بمثابة لعنة سياسية رافقته وترافقه إلى اليوم.
ويكاد هذا السيناريو يتشابه اليوم مع سيناريو حزب العدالة والتنمية، في الحُكم، ولاسيما في بعض النقاط الجوهرية التي تنطبق على الحزبين معاً، سواء على مستوى تعاطي الدولة مع كل منهما، أو فيما يتعلق بالسياق العام والمناخ السياسي للمرحلة؛ حيث قبل أن يتولى حزب الاتحاد الاشتراكي رئاسة الوزراء أواخر تسعينيات القرن الماضي، كان المغرب قد دخل في تلك الحقبة مرحلةً حاسمة في تاريخه السياسي الحديث، تميزت بمرض العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني، واندلاع أحاديث في صالونات السياسيين عن بداية الاستعداد لمرحلة انتقال الحكم إلى ولي العهد الأمير سيدي محمد، وهو ما تجلى في إصدار عفو على المعارضين السياسيين بالخارج، واقتراح الملك على الزعيم الاستقلالي محمد بوستة تولي منصب رئاسة الوزراء عقب انتخابات 1993، باسم أحزاب المعارضة (الكتلة الديمقراطية)، رغم أن حزب “الاستقلال” حلّ وقتئذٍ ثانياً من حيث النتائج رفقة حزب الاتحاد الاشتراكي بـ52 مقعداً لكل منهما، في حين احتل الصدارة حزب الاتحاد الدستوري بـ54. ولكن الملك كان وقتئذ في إطار العمل بدستور 1996 يتمتع بصلاحيات واسعة وغير مقيدة في تعيين الوزير الأول (رئيس الحكومة)، وبإمكانه وفق الفصل 24 أن يعين وزيراً أول من أحد الأحزاب المشاركة في الانتخابات، بغض النظر عن عدد المقاعد التي حصل عليها، كما كان بإمكانه أيضا تعيين تكنوقراطي في المنصب، ما جعله يقترح المنصب على بوستة، الذي اشترط إبعاد وزير الداخلية القوي الراحل وقتئذ إدريس البصري، لكن الملك رفض، ففشلت المحاولة الأولى لتشكيل “حكومة تناوب”، قبل أن تنجح في 1998 مع الراحل عبدالرحمن اليوسفي.
وهذه الحالة الخاصة التي عرفها النظام السياسي المغربي، في تسعينيات القرن الماضي، والتي جعلته يتنازل عن كثير من سلطويته المتشددة، ويرضى بتقاسم الحُكم مع معارضة دخلت معه في مواجهات ساخنة إلى عنيفة أحيانا، تكاد تكون نفس الحالة الخاصة والاستثنائية التي هبّت على المنطقة العربية بداية من خريف سنة 2010، في إطار ما سمي “الربيع العربي”، لتطال مملكة محمد السادس في 2011، وتتفجر تظاهرات احتجاجية عارمة في كل الربوع، وتتأسس حركة 20 فبراير، فلم يلبث الملك إلا أسابيع معدودة من اندلاع الاحتجاجات قبل أن يدعو إلى حل البرلمان وإنشاء لجنة خاصة تشمل حساسيات مختفة لتعديل الدستور وطرحه على المواطنين للاستفتاء عليه.
فكان ذلك، إذ عُدل الدستور، وتنازل بموجبه الجالسُ على العرش، على كثير من صلاحياته وسلطاته، وأجريت انتخابات حرة ونزيهة، أو بالأحرى تقلصت أو ابتعدت فيها كثيرا وزارة الداخلية عن توجيه نتائجها، تحسّبا للشارع الذي كان يغلي وقتها، فتصدر الحزب الإسلامي (بيجيدي) النتائج بعدد مرتفع من المقاعد بلغ 107 مقاعد من أصل 395، وهو ما اعتبر لدى البعض بأنه اكتساح غير مسبوق لتيار إسلامي، كان يمتد في المنطقة وينتقل من بلد إلى بلد، ولو بسيناريوهات مختلفة ومنها حتى الدراماتيكية. ولكن في التجربة المغربية، كان الأمر مختلفا، حيث سارت الأمور كما أرادتها الدولة التي تعاملت وقتئذ مع عاصفة الاحتجاجات الجارفة بذكاء استثنائي غاب مثله لدى باقي الأنظمة العربية، وأفرزت النتائج ما كان يأمله ويتطلع إليه المزاج العام والجماهير الغاضبة، وشكل الإسلاميون “حكومة التناوب” الثانية، إذا صح التوصيف السياسي، بعد “حكومة التناوب” الأولى التي شكلها الاتحاديون. بينما توارى إلى الخلف حزب الإدارة، الوافد الجديد، في تلك السنوات على الساحة السياسية (الأصالة والمعاصرة)، الذي كان قبيل عاصفة الاحتجاجات يُجهز ليكون بديل الإسلاميين الذين كانوا آخذين في النمو والانتشار، فاحتل الحزب المرتبة الرابعة بعدد مقاعد وصل إلى 47 مقعدا، وهو بالمناسبة نفس عدد النواب الذين انتقلوا/ رحلوا إلى الحزب عشية انتخابات 2011.
ثم خاض الإسلاميون الانتخابات الموالية (2016) واكتسحوا النتائج من جديد وهذه المرة بـ125 مقعدا نيابيا، في الوقت الذي حل فيه حزب “البام” في المرتبة الثانية، وقد خيب آمال من كانوا يراهنون عليه لحسم نتائج تلك الانتخابات لفائدته، رغم الدعم الهائل الذي حظي به في ذاك الاستحقاق. ولكن عدا عن كون الرهان على حزب الإدارة لم يكن في محله وباء بالفشل، فقد كانت الظروف الإقليمية بالمنطقة ما تزال تغلي، ولاسيما بعد الذي جرى للإسلاميين سواء في مصر أو تونس وليبيا وغيرها من البلدان العربية، فلم يكن بوسع السلطة في المغرب غير التشبث بقدر كبير من القدرة على معايشة هذا التيار السياسي الإسلامي، وأقصى ما فعتله هو تغيير “رأس” “بيجيدي” المثير لكثير من المتاعب لها، فاستبدلت عبدالإله بنكيران برفيقه في الحزب سعدالدين العثماني على رأس حكومة 2016.
وفي انتخابات 2021، ومع أفول نجم “الإسلاميين” على المستوى الإقليمي، لأسباب مختلفة ليس هنا المقام لسردها، ومع تآكل شعبية إسلاميي العدالة والتنمية لدى المغاربة، الذين اكتووا بسياساتهم العمومية القاسية، وفي ظل قوانين انتخابية جديدة مثيرة للجدل، كانت الظروف والمؤشرات تشير إلى عدم إمكانية “بيجيدي” تصدر النتائج من جديد، ولكن حتى أكبر معارضيهم لم يكونوا يتوقعون ذاك السقوط المدوي، حين حصلوا على 13 مقعدا فقط من أصل 395 محتلين المرتبة الثامنة.
واليوم من حق قادة “العدالة والتنمية” وأولهم كبيرُهم عبدالإله بنكيران أن يتفاءلوا في توقعاتهم بأنهم ذاهبون إلى انتخابات 23 سبتمبر (يوم غد) لاسترجاع أمجاد 2011 و2016 عندما احتلوا الصدارة في النتائج، وتولوا لأول مرة “حكومة تناوب إسلامية”، لكن عليهم أن لا ينسوا تجربة “الاتحاد الاشتراكي” وقيادته لأول “حكومة تناوب” كمعارضة، في 1998، عندما احتلوا هم أيضا الصدارة في انتخابات 1997 التي جاءت في الظروف التي أشرنا إليها آنفا، ثم احتلوا الصدارة في الانتخابات الموالية (2002)، قبل يبدأ التقهقر في انتخابات 2007، ثم في العام 2011، وفي 2016، وفي انتخابات 2021، ولا مؤشرات ترجح كفتهم بأن يتصدروا المشهد في انتخابات هذا الأسبوع. وكأن “التناوب” كان تلك اللعنة التي أصابتهم وقذفت بهم إلى هامش اللعبة، ليستمر “الرفاق” حائرين إلى يوم الناس هذا أمام ما أصابهم من نكسات منذ قيادتهم لحكومة التناوب التاريخي تلك، محاولين لملمة النكسة تلو الأخرى دون جدوى!
وعلى غرار “الرفاق”، فإن “إخوان” بنكيران هم أيضا تعرضوا لنكسة كبرى بعد تصدرهم لاستحقاقين انتخابيين متتاليين، وتفيد قراءة واعية ومستقلة لأدبيات السلطة المغربية أن سيناريو “الرفاق” ليس من المستبعد أن يتكرر مع “الإخوان”، الذين سيتيهون هم أيضا ويتقهقرون سنوات أخرى إضافية مثل الاتحاديين. وهذا طبعا ليس تنجيما أو رجماً بالغيب، ولكنها عملية قياس بسيطة وواقعية للمشهد الانتخابي السياسي المغربي، الذي لا يخضع لمنطق الحملات القوية والبرامج الوازنة للحساسيات السياسية، ولكنه يخضع لهوى السلطة وحاجتها لهذا اللون الحزبي أو لهذا النوع من الأشخاص أو لغيرهم!
*صحافي وباحث في الاتصال السياسي